الأحد 08 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الدستوريون الأفارقة: الحماية الدستورية للحقوق لا تقوم إلا بقضاء مستقل

بوابة روز اليوسف

أكد رؤساء المحاكم والمجالس الدستورية والمحاكم العليا الإفريقية، أن استقلال القضاء حق من حقوق الإنسان، وتوفير الحماية الدستورية والقانونية للحقوق والحريات لا يقوم إلا بوجود قضاء مستقل، فضلا عن أن تحقيق الترضية القضائية بصورة ميُسرة ومنُجزة ومُنصفة، يؤدي إلى خلق بيئة تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

 

جاء ذلك في التوصيات الصادرة عن اجتماع القاهرة التاسع رفيع المستوى لرؤساء المحاكم الدستورية والمحاكم العليا والمجالس الدستورية الإفريقية، والذي عُقد على مدى يومين متتاليين بالقاهرة تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة واسعة من 28 دولة والعديد من المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بالقضاء الدستوري.

 

وأعرب المؤتمرون عن تقديرهم للرئيس عبد الفتاح السيسي، لرعايته الاجتماع المهم ودعم استمرارية انعقاده، مؤكدين أن هذا الأمر يعكس حرصه الدائم على التواصل والتعاون المستمر بين الهيئات القضائية الإفريقية، وضمان استقلالها ومباشرتها لدورها الدستوري في خدمة القارة الإفريقية.

 

وأكدوا أن "اجتماع القاهرة" أصبح أحد أهم المحافل القضائية القارية لتبادل الخبرات وإثراء المناقشات ودعم أسس الحوار المُثمر بين القضاة الأفارقة، وصار ملتقى دوليا يتيح لهم التشاور مع نظرائهم من القضاة والخبراء القانونيين الدوليين حول المسائل والقضايا الهامة التي تواجه الأنظمة القضائية على مستوى العالم.

 

وأشاروا إلى أن توفير الحماية الدستورية والقانونية للحقوق والحريات، لا يقوم إلا بوجود قضاء مستقل، ويتعين على جميع سلطات الدولة الالتزام بضمان هذا الاستقلال والدفاع عنه.

 

وشددوا على أن استقلال القضاء، حق من حقوق الإنسان لا ينفصل عن حقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، وحقه في محاكمة قانونية عادلة ومنصفة، وحقه في توفير الحماية القانونية المتكافئة.

 

وقال المؤتمرون إن جوهر استقلال القضاء، يحققه قيام المحاكم بالفصل في المنازعات المعروضة عليها بعدالة وحياد بعيدا عن أي ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، أيا كان سببها أو مصدرها، فضلا عن أن استقلال القضاء يرتبط ارتباطا وثيقا بشفافية وعلانية الإجراءات القضائية بما لا يخل بمقتضيات النظام العام والآداب العامة.

 

وأضافوا أن استقلال القضاء، يُلزم منتسبيه بالابتعاد عن الأنشطة والأعمال السياسية والإعلامية، كما يوجب تعيين واختيار وترقية القضاة وفق معايير قضائية راسخة، تقوم على أسس من الكفاءة والنزاهة والخبرة والحيادية، بغير تمييز بسبب العرق، أو اللون أو الجنس أو الدين، أو غير ذلك من صور التمييز غير المبررة.

 

وأكدوا أن واحدة من أهم دعائم استقلال القضاء، تتمثل في كون القضاة غير قابلين للعزل، وتمتعهم بضمان البقاء في وظائفهم لحين بلوغ سن التقاعد أو انتهاء المدة للأسباب التي يعينها الدستور أو القانون للمنصب القضائي، وألا يجوز فصلهم إلا تأديبيا من خلال إجراءات عادلة ومستقلة ومحايدة يتولاها القضاة وحدهم.

 

وأشار المؤتمرون إلى أن للسلطة القضائية - دون غيرها - ولاية الفصل في المنازعات ذات الطابع القضائي، وتنفرد بتحديد المسائل الداخلة في ولايتها وفقا للدستور والقانون، وتتولى أمر إسناد القضايا إلى القضاة، ولا تخضع أحكامها للرقابة أو الطعن أمام أية سلطة أو جهة أخرى.

 

وأكدوا أن استقلال القضاء يتطلب توفير الموارد الكافية التي تُمكن السلطة القضائية من أداء وظيفتها الدستورية بصورة كاملة، كما يرتبط بتهيئة المنشآت والمباني والمرافق الحديثة اللازمة لتقديم خدمات التقاضي للأفراد، وضرورة أن تكفل الدولة تحقيق الاستقلال المالي اللازم للهيئات القضائية.

 

ولفتوا إلى أهمية التدريب الدوري للقضاة، خاصة في المسائل القانونية المستحدثة، كأحد العناصر الرئيسية لضمان استقلال القضاء وأدائه لدوره الدستوري، وأهمية التعاون الدولي في وضع وصياغة برامج التدريب وبناء القدرات.

 

وشددوا على أن بطء إجراءات التقاضي والزيادة الكبيرة في أعداد القضايا وتأخر الفصل فيها، من العقبات التي تقوض الثقة في منظومة العدالة، وتعوق تطور المبادئ القضائية، وتمس الأمن القانوني واستقرار الأوضاع المجتمعية، وهو ما يوجب اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهتها بما لا يخل بالتوازن بين جودة العمل القضائي من ناحية، وبين سرعة الفصل في القضايا من ناحية أخرى.

 

وأوصى المؤتمرون في هذا الشأن بدراسة الأخذ بنظام غرفة المشورة ونظام هيئات التحضير أو لجان الفحص الداخلية للدعاوى الدستورية، ودراسة ومراجعة الضوابط الإجرائية المنظمة لرفع وإحالة الدعاوى الدستورية.

 

وقالوا إن توفير الترضية القضائية بصورة ميُسرة ومنُجزة ومُنصفة، يؤدي إلى خلق بيئة تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وتدعيم سيادة القانون، والمحافظة على الأمن والنظام العام والسلامة والصحة العامة، وحماية حقوق الإنسان وحرياته.

 

وأضافوا أن ملاءمات التشريع والبواعث عليه من إطلاقات السلطة التشريعية، ولا تتدخل فيها السلطة القضائية أو تُخضعها للرقابة القضائية، ما لم يقيدها الدستور أو القانون بحدود وضوابط معينة، كما لا تمتد الرقابة القضائية إلى أعمال السيادة وفي القلب منها الأعمال السياسية.

 

وأكد المؤتمرون أن الإعلام يلعب دورا حيويا في مخاطبة الرأي العام، ونشر المعلومات والأخبار المتاحة للعامة، والتعبير عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية، وأنه يقع على وسائل الإعلام الالتزام باحترام استقلال القضاء وأحكامه، والابتعاد عن محاولات التأثير المباشر أو غير المباشر في الفصل في القضايا.

 

وأشاروا إلى أهمية التأثير البالغ للتطورات التقنية والرقمية على المجتمع، ودور هذه التطورات في تحقيق التنمية، مما يرتبط بضرورة توفير بيئة سيبرانية ورقمية آمنة، وإصدار التشريعات وتبني السياسات التي تواكب هذه التطورات، ووضع تدابير وأطر قانونية وتنفيذية لضمان الحفاظ على الأمن القومي والنظام العام والصحة والآداب العامة، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم خاصة في مجال حماية البيانات الشخصية.

 

وأضافوا أن استفادة الهيئات القضائية من التطورات التقنية والرقمية المختلفة، أصبحت ضرورة لتوفير خدمات التقاضي بصورة آمنة وميسرة وناجزة، وأن الاستعانة بآليات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الهيئات القضائية، وإن كان وسيلة مساعدة ومكملة للعمل القضائي، غير أنه ليس بديلا عن العامل البشري إطلاقا، إذ يتعين أن يكون تحت الإشراف الكامل لأعضاء الهيئات القضائية.

 

وأوضحوا أن الشفافية وحماية الحق في الخصوصية وصون البيانات الشخصية وعدم تعريض حقوق الأفراد وحرياتهم للخطر من أهم المبادئ الرئيسة الحاكمة لاستعانة الهيئات القضائية بالتطورات الرقمية الحديثة وفي القلب منها الذكاء الاصطناعي.

 

وذكروا أن التحديات والإشكاليات التي تواجه الاستعانة بالتطورات المعلوماتية والرقمية في مجال العمل القضائي، تتطلب التوافق على معايير ومبادئ مشتركة، والاستفادة من التجارب الدولية في تحقيق المواجهة التشريعية والتنفيذية وصياغة وتطوير التدابير والإرشادات والسياسات الوطنية، وتلافي السلبيات التي أسفرت عنها هذه التجارب.

 

وشددوا على أن وضع أطر قانونية وتنفيذية للتعامل مع التطورات التقنية والرقمية، يمثل ضرورة في مجال العمل القضائي، بما يحقق التوازن بين الاستفادة منها وبين احترام مبادئ وقواعد الشفافية والمحاسبة والعدالة وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم.

 

وقالوا إن الاستمرار في رفع كفاءة المؤسسات القضائية الإفريقية لمواكبة التطورات التقنية والرقمية، يوجب رفع كفاءة بنيتها التحتية، كما أن تضمين الآليات والتطبيقات الرقمية الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، في العمل القضائي يجب أن يكون مرحليا ومتدرجا، ويتعين إجراء الأبحاث والدراسات في كل مرحلة حول أثارها على منظومة العدالة.

 

ورحب المؤتمرون بأعمال وأنشطة مركز البحوث والدراسات الدستورية الأفريقية خلال العام الماضي، وأوصوا الهيئات القضائية الإفريقية باستمرار التعاون مع المركز، والاستعانة بالدراسات والأبحاث والأنشطة العلمية التي يضطلع بها، خاصة برامج تدريب وإعداد القضاة.

 

كما أوصوا باتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الفساد وضمان حيادية وشفافية ونزاهة العمل القضائي من أجل تعزيز الثقة في المؤسسات القضائية، وهو ما يعد أحد العناصر الرئيسية لضمان استقلال القضاء.

 

وأعرب المؤتمرون عن تقديرهم لمصر، قيادة وشعبا، على ما أبدته من حفاوة الاستقبال، وما وفرته من دعم لهذا الاجتماع، مؤكدين أنهم يعتزمون مواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف الواردة في هذا الإعلان والإعلانات الصادرة عن اجتماعات القاهرة السابقة، والعمل معا على رفعة الأمة الإفريقية، وتحقيق آمال شعوبها وطموحاتها.

تم نسخ الرابط