«لأجل بولس حبيبى الذى لا أريد أن أحزنه، ومن أجل إخوتكم الذين فى العالم يقدمون القرابين، ومن أجل أبنائكم الذين أجدهم أوفياء لوصاياى، أمنحكم أنتم كلكم الذين فى العذابات راحة ليلة ونهار لتنتعشوا، وهو اليوم الذى قمت فيه من الأموات، وسيكون ذلك الأمر للأبد»،هكذا وعد المسيح أهل النار بأن يريحهم من العذاب يوم الأحد بفضل بولس الرسول أحد تلاميذ المسيح والمبشر بالمسيحية فى العالم، هذه الحكاية الخيالية موجودة فى مخطوطات مسيحية ترفضها الكنيسة وترى أنها منحولة، ولكنها وجدت طريقها بين المسيحيين، حيث نُشرت فى العديد من الكتب التى كتبت باليونانية واللاتينية والسريانية والقبطية والإثيوبية، وهو ما يدل على مدى انتشارها قديمًا، ثم أصبحت جزءًا من الأساطير الشعبية المسيحية، الحكايات الموروثة انتبه لها الكاتب البارع والباحث المدقق روبير الفارس وجمعها وشرحها فى كتابه «خيال الآخرة.. رحلات قبطية للعالم الآخر»، والصادر مؤخرا من دار «روافد»، اهتم روبير بقصص موجودة فى سير القديسين حسبما جاءت فى التراث الشعبى المسيحى، وبعضها موجود فى الكتب مثل السنكسار الذى يروى قصص القدسيين والشهداء وتضحياتهم فى سبيل تمسكهم بعقيدتهم، وتحكى معظمها عما يحدث فى السماء ومصير الموتى بين الجحيم والفردوس، وهى حكايات كثيرة وبها مساس بين النص المقدس والأدب الشعبى، أهمية الكتاب أنه يجمع قصصًا وحكايات تم تجاهلها لسنوات طويلة رغم أنها كانت ملهمة لأدباء عالميين فى بعض أعمالهم، وهو ما يشير إليه د محمد أمين عبد الصمد فى مقدمته للكتاب «إن مصادر «دانتى» فى كتابه الشهير «الكوميديا الإلهية» والذى صور فيه الجحيم والمطهر والفردوس ليست مأخوذة فقط من كتاب «رحلة الغفران» لأبى العلاء المعرى كما يقول معظم النقاد وإنما أيضًا مستمدة من التراث الشعبى القبطى التى روت وحكت الكثير عن هذه المشاهد»، هذه الحكايات لم تكن كلها مختلقة، بل يستند بعضها إلى مخطوطات قديمة، فمثلاً تستند الحكاية الشعبية عن إجازة يوم الأحد من جهنم، إلى ما كتبه بولس فى الرسالة الثانية إلى أهل كورنثيوس عن رحلته إلى السماء»، فنقلاً عن مقال كتبه محمود الزيباوى بعنوان «معراج بولس إلى السماء الثالثة» يقول: فيه «ينطلق كاتب هذا السفر المنحول من كلام بولس، ويعلن أنه عثر عليه بإرشاد إلهى فى صندوق رخامى مدفون تحت التراب فى منزل بولس فى مدينة طرطوس، ضم كتابات وحى بولس، وجاء فيها أن الملاك قال لبولس اتبعنى لاُريك المكان الذى يسلك إليه الأبرار بعد موتهم بعد ذلك سأحملك إلى الهاوية لأُريك نفوس الخطاة والمكان الذى يساقون فيه بعد موتهم، ثم يحمله إلى السماء الثالثة ويلتقى فيها بأخنوخ وإيليا، ثم يقوده إلى ما فوق أبواب السماء، وينتقل به إلى مدينة المسيح التى يحدها 12 بابًا وتحيط بها أربعة أنهار وفى وسط هذه المدينة تقوم عروش الذين جعلوا من أنفسهم بسطاء القلب ويرتفع فيها مذبح عظيم يقف أمامه داود منشدًا ومسبحًا، ثم يمضى به الملاك إلى نهر النار ليريه نفوس الكفرة والخطاة، ويستغيث به الخطاة طالبين رحمة خالقهم، ويشفق عليهم بولس ويطلب من الرب أن يشفق عليهم، ويحل المسيح وعلى رأسه تاج ويوبخهم ثم يمنحهم يوم راحة من العذاب،وتنتهى الرحلة فى الجنة حيث يرى نهر جيجون الذى يقطع كل أرض مصر وأثيوبيا،ونهرى دجلة والفرات، ثم يتقدم ويرى شجرة وعلى مقربة منها يلتقى بمريم العذراء وبأنبياء العهد القديم إبراهيم وإسحق ويعقوب وبأبناء يعقوب الاثنى عشر، ثم يلتقى موسى، وتتواصل اللقاءات مع الأنبياء أشعيا وأرميا وحزقيال ولوط ونوح وأيوب وإيليا واليشع، ويجمع الكل على مباركة بولس الذى جذب شعوب عديدة إلى الإيمان»، هذه الرواية التى لا تعترف بها الكنيسة وتضعها ضمن الكتب والأناجيل المنحولة تتشابه مع حكايات كثيرة عن الرحلات إلى السماء فى الديانات القديمة الوضعية سواء فى مصر القديمة أو بلاد ما بين النهرين، أو الديانة الزرادشتية، وكذلك عند العرب قبل الإسلام، وتكررت فى الديانات التوحيدية ففى المسيحية قصة صعود أخنوخ (إدريس فى الإسلام) إلى السماء وهى موجود فى مخطوطات قمران التى تم العثور عليها فى منتصف القرن الماضى فى أحد كهوف منطقة قمران بالأردن، وفى الإسلام هناك معجزة الإسراء والمعراج والتى ذكرها القران وجاءت تفاصيلها فى كتب السيرة والأحاديث النبوية، وفى معتقدات الشيعة تركز أغلب المرويات على أن المعصومين الأربعة عشر كانوا موجودين فى الجنة قبل بداية الخلق، وبالطبع هناك العديد من الرحلات إلى السماء فى الإبداع الأدبى مثل رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، القصص التى جمعها روبير عن الرحلات إلى العالم الآخر يتداخل فيها التاريخى مع الفلكلور الشعبى،حيث يتم استدعاء الآخرة للترهيب من النار والترغيب فى الفوز بالنعيم، وعلى سبيل المثال قصة الجندى الذى كان يعذب القديس مكاريوس، ثم صدمته مركبة الوالى فسقط ميتًا فصلى القديس من أجله فقام حيًا واندفع نحوه يسجد له ويقبله، ويقول له لقد خلصت روحى من الجحيم فإنى رأيت أشخاصًا لهم وجوه قبيحة جذبونى إلى هاوية عميقة، وكنت فى عذاب شديد، ثم فجأة سمعت صوتًا انتشرت معه رائحة جميلة أنعشت روحى، وسمعت صوتًا يقول من أجل صلاة القديس مكاريوس يعود هذا الرجل إلى العالم» وبعدها آمن الجندى على يد القديس بعدما كشف عما رآه فى الجحيم، ويمضى روبير فى ذكر حكايات ومعجزات مماثلة حدثت مع قدسيين آخرين مثل الشهداء: تادرس المشرقى والطفل زكريا ووالده فاج والصبى زيوس والقديسة مارينا وبطرس العابد، وكذلك سرد رحلات قديسين إلى العالم الآخر، الكتاب به العديد من القصص والحكايات الجذابة وهو مهم للباحثين والمهتمين بالتراث الشعبى المسيحى والمصرى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



