هل سبق أن صادفت عزيزي المشاهد دراما تطالبك بحل ألغازها؟!.. كتب المؤلف هاني سرحان عملا فنيا بدا من حلقاته الأولى أنه يمتلك طرحا جديدا لم تطرقه الدراما من قبل عن عالم "الجاردات" أو الحراسة الشخصية؛ هذا العالم البعيد عن الدراما والمبهم على المشاهد العادي بالتأكيد مثير للاهتمام والدهشة؛ وبالتالي وعد المؤلف والمخرج عصام عبد الحميد بعمل مختلف لا يشبه نظيره من أعمال درامية سابقة؛ بينما فوجئنا مع تتابع الحلقات أن هذا العالم ما هو إلا إطار لحرب العصابات أو إن شئنا الدقة صراع القوي والبطل الضعيف الذي سوف ينتصر في النهاية بتدخل القدر؛ وبقي عالم "الجاردات" مجرد حكاية هامشية لم ترو بعد؛ لماذا بدأ المؤلف حكاية درامية غير مكتملة؟!.. وهل للمخرج يد في هذه الحكاية غير المروية؟!
أحيانا قد يجذب عالم "الأكشن" وحرب العصابات والقوالب الدرامية المجربة المخرجين فتتم التضحية بقصص درامية شديدة الغني والثراء في مقابل ضمان وجذب المشاهد الأكثر ميلا لهذا النوع!
"بطل العالم".. قصة شاب قبل المساومة على خسارة بطولة العالم في الملاكمة مقابل الحصول على مبلغ من المال حتى ينقذ ابن أخيه مريض القلب كي يستطيع دفع تكاليف عمليته؛ يدخل في مجتمع الحراسة بعد تحوله عن الملاكمة؛ ثم يتم طرده من جروب "الجاردات" يسعى للترويج لنفسه بشكل شخصي مع قريبه صاحب محل الحلاقة على مواقع التواصل الاجتماعي لتجده فتاة توفي والدها وحتى تحصل على ميراثه في ظروف آمنة تعين حارس شخصي لها كي يتمكن من حمايتها ويضمن لها حرية الحركة في أمان ضد "سليمان المحروق" عدوها الأول الذي يطاردها للحصول على أمواله الضائعة من أبيها.
في حوارات الأبطال عن عالم الحراسة الشخصية أو "الجاردات" دائما ما يذكر والد "صلاح الحريف" أن هناك أجيالا؛ جيل أول؛ وثان وثالث؛ وصراعات بين هذه الأجيال.. ثم تتوقف الدراما عند مجرد ذكر الأجيال وصراعاتها الخفية.. دون أن نعلم شيئا حول هذا المجتمع الغامض.. لماذا يقسم هذا العالم نفسه إلى أجيال متتابعة وما الفروق بين هذه الأجيال؟!.. ثم يلتقي يوسف والد "الحريف" بـ"سليمان المحروق" هذا الرجل القوي الذي يهابه الجميع بينما لا يهابه يوسف بل على العكس هو من يخشاه لكننا لا نعلم على مدار حلقات المسلسل لماذا يحسب المحروق لـ"يوسف" كل هذا الحساب ما نقطة ضعفه تجاه هذا الرجل؟!.. ما التاريخ المبهم والغامض بينهما؟!
لا أحد يعلم؛ أشياء أخرى ملتبسة وغير مفهومة تمت معالجتها بشكل سريع مبتور للغاية؛ مثل هجوم صلاح الحريف على المكان الذي يؤوي المحروق وأخاه هذه القلعة المحصنة بعدد لا بأس به من الرجال الأقوياء استطاع اقتحامها وحده ثم لم يستكمل مهمته أمام المشاهد كيف حصل على الأموال وهل واجه المحروق أم لم يواجه؛ نذهب فورا إلى منزل "صلاح" ونجده يحيا في أمان وقد عادت الأموال؛ مشهد آخر انتهى دون أن نرى كيف نجا "صلاح" يوم اقتحام سليمان المحروق للمقابر وحصوله على الأموال مع رجاله الأقوياء ثم طالبهم بضرورة التخلص من هذا الشاب المزعج.. كيف نجا ونجي معه صاحبه والمرأة المسنة التي لا حول لها ولا قوة.. وكيف دفع أموال المستشفى الباهظة؟!؛ مشاهد عديدة فتحت ولم تكتمل؛ وصراعات تاريخها مبهم غير واضح المعالم حتى وفاة الأخ الأكبر لصلاح لم نعلم كيف تسبب الأب في هذا الحادث؟!.. ولماذا دخل الابن في صراع عنيف مع أبيه؟!.. ثم تأتي الحلقة الأخيرة بالنهاية السعيدة في كل شيء؛ بينما لم نعلم لماذا سجن المحروق وكيف تمت توجيه الاتهامات له؟!؛ هل سجن من أجل قتل حبيبته؟! أم سجن لسرقة الأموال وكيف علمت الشرطة؟! انتهى "بطل العالم" دون فتح مواجهات أو حل ألغاز تركت مغلقة؛ وكأنها أسرار درامية لا يصح الاطلاع عليها؛ وعلى المشاهد التوقع وحلها بنفسه.
لكن داخل هذا الحقل الكبير من الألغاز والفوازير الدرامية.. نصبت حلبة الملاكمة في التمثيل بين أبطال العمل؛ يطرق عصام عمر عالم "الأكشن" الجديد عليه غير المتسق مع طبيعته الجسدية ليطرح شكلا آخر لمواصفات "البطل" الخارق بملامحه الهادئة المطمئنة التي لا تشير بأي حال إلى ملامح عنف أو صرامة أو قسوة فهو على النقيض من هيئة السقا أو أحمد عز على سبيل المثال؛ بينما تمكن في "بطل العالم" من اقتحام عالمهم بامتياز وتعد هذه جرأة تحسب له.. أن يطرح نفسه طرحا مغايرا يتنافى مع مواصفاته الجسدية ومواصفات بطل "الأكشن" بشكل عام؛ وبالتالي يضع قواعد جديدة لهيئة البطل في هذ النوع الفني؛ لم يكتف عمر بطرح نفسه في "الأكشن" بينما بذل جهدا مضاعفا في التمثيل مع أدائه الجسدي فلم يكتف بمشاهد الضرب والملاكمة؛ بل تفوق أيضا باللحظات الإنسانية أمام والده وابن أخيه.
يأتي على الجانب الآخر وفي المواجهة بطل يحتفي بفن التمثيل احتفاء كبيرا.. الفنان فتحي عبد الوهاب في دور "سليمان المحروق" الذي يمتلك مدرسته الخاصة؛ يفتح لكل صاحب شغف بهذا الفن أبوابها بحيث يطرح لك شكلا جديدا في فن التشخيص لكل من أراد التعلم والاستزادة والتدبر؛ ربما إذا ذهبت وشاهدت عددا من أعماله قد تجد صفات شخصية متكررة سبق أن قدمها عبد الوهاب في أعمال سابقة مثل الرجل الظالم العنيف الذي لا يتورع عن ارتكاب أي شيء في مقابل السيطرة والتحكم بمن حوله فهو صاحب القوة والنفوذ؛ ولا يمتلك أحد القدرة على مواجهته قد تتقاطع شخصية "سليمان المحروق" في بعض الصفات مع "الحاج حمادة" في "ظلم المصطبة"، بينما لم يتقاطع الأداء التمثيلي بينهما؛ هنا أنت أمام شخص آخر بملامح وسمات مختلفة ولازمات في حركة الجسد وذراعه الثابت المتوقف عن الحركة إلا قليلا بسبب حرق قديم منعه من الحركة الطبيعية حتى في تكنيك تعسر الإمساك بالقلم أثناء الكتابة؛ هذا الرجل يذهب مع وإلى الشخصية ولا يعود إلا وقد سبر أغوارها من الداخل والخارج هو قوي عنيف صاحب هيبة ورهبة ثم مهزوم ضعيف أمام حبيبته حتى حين هم بقتلها.. يتقلب من النقيض إلى النقيض ليضع المشاهد في حالة من المتعة الخالصة؛ ممثل فخم صاحب أداء رفيع يذكرك دائما بأنه أتى كي يؤدي عمله على أكمل وجه غير مكترث إلى سباق الأفضل داخل أو خارج موسم رمضان لأنه هو دائما أفضل من نفسه!
داخل هذه الحلبة التمثيلية الكبيرة التي نصبها عبد الوهاب في "بطل العالم" استجاب للمباراة واللعب الفنان محمد لطفي في دور "يوسف" الأب المكلوم على ابنه الفقيد والمهزوم بسبب مقاطعة ابنه الآخر ومشاحناته الدائمة معه؛ ثم الرجل القوي صاحب التاريخ الذي لا نعلم عنه الكثير كل هذه المشاعر الداخلية المتناقضة والمعقدة تمكن لطفي من معايشتها بدقة واقتدار؛ تأتي معه على نفس الخط من المهارة والخبرة الكبيرة الفنانة حنان يوسف في دور الجدة صاحبة الذاكرة قصيرة المدى كالعادة لم تخذل يوسف مشاهدها دأبت هذه السيدة على ترك بصمة خاصة بأعمالها الفنية؛ وكذلك الفنان أحمد عبد الحميد في دور "ريعو" صاحب الظهور والأداء المميز والذي يبدو عليه دائما حتى في لحظات فرحه الشعور الدائم بوجود شيء ناقص يصاحبه شعور بانعدام ثقة مرير حتى يقرر التحرر منه في الحلقة الأخيرة هذه المشاعر العميقة عاشها عبد الحميد بسلاسة وصدق؛ في هذه البطولة التمثيلية الجماعية شاركت جيهان الشماشيرجي التي لم يشغلها كثيرا ابراز الجوانب والابعاد الأهم في شخصية "دنيا" الفتاة التي تركها والدها ثم تعيش مأساة وفاته وديونه دون أن تعلم عن عالمه أي شيء ربما كانت الشخصية تحتاج إلى مزيد من الجهد والتركيز الذي لم تول له جيهان اهتماما كبيرا؛ بينما على النقيض تأتي الفنانة فيدرا في ظهورها القصير المؤثر بأداء هادئ رصين لشخصية "براجماتية" لا تهتم سوى بالنتائج التي ستحققها من العلاقة العاطفية شخصية واقعية أبعد ما تكون عن الخيال والرومانسية تقيس أهمية الأشخاص بحجم الاستفادة التي ستنالها منهم أدتها بتمكن كبير ومهارة واحتراف؛ كما تميزت منى هلا في شخصية زوجة الأخ المغلوبة على أمرها؛ في النهاية "بطل العالم" كان مشروع عمل فني مختلف لم تكتمل معالمه.



