في سورة يوسف تتعدد النماذج الإنسانية، مع تعدد الأماكن بين الشام ومصر، وتعدد المراحل الزمنية من طفولة يوسف الصغير الذي يلقيه إخوته في الجب، إلى كهولته وهو عزيز مصر الذي يلجأ له إخوته ليطعمهم، واختلاف المواقع من الجب إلى بيت العزيز، ومن السجن إلى قصر الملك.
وحسب الروايات أن امرأة العزيز اسمها "راعيل"، ولقبها زُليخة، وكانت مشهورة بجمالها وتكبرها، وهي زوجة "بوتيفار" عزيز مصر على عهد الملك "أمنحوتب الثالث"، وجاء الكلام عنهم في القرآن الكريم بدون أن تذكر أسماءهم، وذلك وقت قدوم النبي يوسف عليه السلام إلى مصر.
في القرآن الكريم تأتي كلمة امرأة مكتوبة بالتاء المفتوحة: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) يوسف 30، عند إضافتها لزوجها وتعني امرأة محددة، وتكتب كلمة امرأة بالتاء المقفولة: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) الأحزاب 50، بعدم إضافتها لزوج وتعني أي امرأة.
وتبدأ قصة زليخة مع شراء العزيز ليوسف: (وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) يوسف 21، وقد رأى يوسف في امرأة العزيز أماً بديلة، ولكن المرأة وجدته يكبر شاباً وسيماً فرأت فيه الرجل ولم تر فيه الابن.
وحاولت زليخة أن تنال رغبتها من يوسف: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ) يوسف 23، كلمة (وَرَاوَدَتْهُ) تعبيراً عن رغبتها وطلبها له، وكان رده عليها حين استعاذ بالله من فعل الفحشاء وخيانة الرجل الذى رباه.
وحين رأى العزيز زوجته وهي تقوم بإغراء يوسف فإنها لم ترتبك، بل سارعت بالاتهام بدون تحديد اسم يوسف، ثم سارعت بالحكم: (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يوسف 25، ولأنها تحب يوسف فإنها لم تطلب قتله وإنما طلبت سجنه أو عذابه لتنتقم منه.
ويأتي الشاهد من أقاربها: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا) يوسف 26، وتم وصفه بالشاهد مع أنه لم يشهد شيئاً لأن الشاهد يعني الخبير الذي يحكم بالمعلومات، أما الذي شهد الحدث فيسمى بالشهيد: (إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ. وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ) يوسف 26-27، ويتبين للشاهد بالدليل براءة يوسف: (فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيۡدِكُنَّ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيم) يوسف 28، ووصفها بالكيد هو من كلام الشاهد، وتم لفت انتباه يوسف بنسيان الأمر ومعاقبة الزوجة بالوعظ: (يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَا وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ) يوسف 29.
ثم تسربت أنباء الحادثة وأصبحت حكاية تتناقلها النساء عن امرأة العزيز: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ) يوسف 30.
وتم وصف نميمة النساء عنها بأنه مكر: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) يوسف 31، وأرادت زليخة أن ترد مكرهن بمكر أشد، فقامت بدعوة النساء إلى وليمة تفتنهن فيها بجمال يوسف: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) يوسف 31.
وقطع أيديهن لا يعني بالضرورة جرح أو قطع أجزاء من الأيدي، فليس من معاني القطع في اللغة الجرح أو البتر فقط، بل يحتمل المعنى أن كل واحدة منعت عنه يد الأخرى من أن تمتد إليه، فمثلاً يقال قطعت يده عن العمل أي أبعدته فلم يعد له عمل فيه.
وبعد كشفها لضعفهن: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) يوسف 32، تعلن أنها راودته عن نفسه فرفض، فأمرت بسجنه، واختار النبي يوسف السجن لينجو منهن: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) يوسف 33، حتى لا يميل إليهن ويفعل ما يفعله الجهلاء.



