الأحد 22 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مي حمدي تكتب: كسل الكلام

مي حمدي
مي حمدي

هل شعرت يوما بما يسمى كسل الكلام؟ ألا تجد لديك طاقة للحديث أو أن تفقد الرغبة فيه من الأساس؟! لا يعني الأمر أنك حزين أو في حالة مزاجية سيئة. على العكس تماما، يعني أنك مكتفٕ بنفسك، مستمتع بمزاجك الخاص، كما قال العم جاهين:

 

"إيديا في جيوبي وقلبي طرب

سارح في غربة بس مش مغترب

وحدي لكن ونسان وماشي كده

وبابتعد ما اعرفش.. أو باقترب

عجبي"!!


هل جربت يوما أن تذوب قي قهوتك وتذوب فيك؟ أن تمزج فيها الأجواء الساحرة حولك فتحتسيها في تلذذ؟ هذه الأجواء التي قد تكون عناصرها بسيطة وقيمة للغاية: شمس، خضرة، وهواء نقي، وهم نعمة كبيرة من الخالق البديع، مساكين من لا يستشعرونها ويستمتعون بها ويحمدون الله عليها في غمرة الركض الزائل، والانشغال الزائد بالدنيا، وبالغير، وبالغيبة والنميمة والأحقاد.


هل جربت يوما أن تغرد مع الطيور أو تزهر مع الأشجار أو تموج مع البحار أو تعبق مع الزهور؟ أن تذوب في رقة قطة تموء في دلال؟ أو تبتسم تلقائيا لبراءة طفل؟ أو تنتشي مع رائحة حشائش بللها الندى؟ هل جربت يوماً أن يطربك صوت الصمت؟ الصمت فقط!    

 

هل جربت يوماً أن تسرح في عالمك الخاص وأحلامك وطموحاتك؟ ألا تكترث لهراء العالم وتتمنى لو لم يكترث بك؟ أن تكون في أماكن معينة تتمنى فيها لو ارتديت "طاقية الإخفاء" فلا يحدثك أحد ولا يحملك عبء الاستماع لحوار مرهق أو مزعج أوغير ذي جدوى؟

 

لا أدري لماذا أصبحت إلى هذا الحد أحب الجلوس وحدي، لقدر من الوقت. هل هو حب الصمت أو رغبة في الانعزال أو كسل عن الكلام؟ لا يعني هذا الرغبة في الوحدة أو البعد عن الناس، وأدعو الله أن يديم عليّ نعمة الأهل والأصدقاء، ولكني أحتاج إلى بعض الوقت، أو الكثير من الوقت، في صحبة نفسي.  

قد يكون ذلك للاسترخاء وإعادة شحن الطاقة، أو للتأمل والتفكير، أو للكتابة،  أو فقط لأستمتع بالجلوس في صمت، أفعل ما يحلو لي دون تعليقات، وما يحلو لي غالبا ما يكون في بساطة أن أرتشف قهوتي في هدوء، أو أطعم القطط والكلاب والطيور وأتحدث إليها. وأحياناً، أقف فجأة في طريقي لأتغزل في نبتة أو زهرة على جانب الطريق لا يلاحظها الناس ولا يلتفت إليها أحد، وأصورها وأسبح الله. لا أدري كيف يراني الناس وسألتمس لهم العذر إذا استغربوني.

 

ورغم أني ثرثارة غالبا مع من أحب، وعلى رأسهم أمي وقليل من الصديقات المقربات، إلا أنني أحيانا لا أرغب في الكلام كسلاً، لا لأي سبب آخر.

 أصبح الكلام يحتاج إلى مجهود لم أعد أملكه دائماً. ومن الطرائف الشهيرة بيني وبين أمي أن أخبرها أن أريد أن أحكي لها شيئا، ولكن لا طاقة لدي للكلام، فترد بأنه لا طاقة لديها أيضا للاستماع، ونضحك وينتهي الأمر!

 

أن تستمتع بجلوسك وحدك في صمت، مستمتعا! يتفهم القريبون مني هذا الأمر، وكثيرون لا يستوعبونه، ولا يسعني سوى أن أحاول أن أفسر الأمر لهم بكلمات الدكتور مصطفى محمود رحمه الله:


"الإنسان السوي في حاجة دائمة إلى لحظات انفراد مع نفسه، مع فكره، وهي لحظات عزيزة لديه يجب ألا يقتحمها عليه أحد".

 

 

تم نسخ الرابط