الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"من التخطيط إلى القياس" مرحلة أكثر صرامة في إدارة الملف السكاني

اجتماع عبلة الألفي
اجتماع عبلة الألفي

تحت شعار «من التخطيط إلى القياس»، عقدت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان وتنمية الأسرة ورئيس المجلس القومي للسكان، ورشة عمل تشاركية موسعة لمراجعة الخطط التنفيذية القطاعية للأعوام (2026–2027)، في إطار الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية، والخطة العاجلة للسكان، والبرنامج القومي لتنمية الأسرة المصرية، وذلك برعاية صندوق الأمم المتحدة للسكان ومجلس الوزراء، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين وممثلي الجهات التنفيذية.


الورشة لم تكن مجرد اجتماع تنسيقي، بل منصة لإعادة ضبط الإيقاع بين التخطيط والتنفيذ، وبين الأهداف ومؤشرات القياس، وبين الطموح والواقع.


أربعة محاور وهدف واحد


انطلقت الورشة من أربعة محاور رئيسية تمثل عصب المرحلة الثانية من الاستراتيجية، وهي: الصحة الإنجابية، التعليم، تمكين المرأة، والاتصال والإعلام.


استهلت الدكتورة عبلة الألفي كلمتها بالترحيب بالحضور، مؤكدة أن المرحلة الثانية من الاستراتيجية تتطلب وقفة موضوعية أمام ما تحقق في المرحلة الأولى، بهدف تعظيم الإيجابيات والبناء عليها، والتعامل بشجاعة مع السلبيات التي ظهرت كتحديات جماعية.


وشددت على ضرورة التعامل مع الأهداف من خلال مؤشرات قياس الأنشطة، وليس العكس، مؤكدة أن التخطيط يجب أن ينطلق من أدوات قياس دقيقة، وأنه لا جدوى من أي هدف دون آلية متابعة واضحة.


وأكدت ضرورة التركيز على المناطق الحمراء في الخطة العاجلة، لتحويلها إلى مناطق صفراء خلال المرحلة الثانية، مع العمل بالتوازي على الأطر الثلاثة: الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية، والخطة العاجلة للسكان والتنمية، والبرنامج القومي لتنمية الأسرة المصرية.


توحيد البيانات وحوكمة المؤشرات


من أبرز ما شددت عليه الدكتورة عبلة حتمية توحيد الأرقام والإحصاءات بين الجهات المختلفة، تفاديًا لأي فجوة رقمية قد تُضعف مصداقية المؤشرات الوطنية، مؤكدة أهمية التنسيق المستمر مع مجلس الوزراء والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لضمان اتساق البيانات.


وأوضحت أن الاستراتيجية لا يمكن أن تُبنى على أرقام متباينة أو قراءات غير موحدة، بل على قاعدة بيانات متكاملة ومحكمة، تمثل أساسًا لاتخاذ القرار.
كما أشارت إلى ضرورة حوكمة معدلات وفيات الأمهات وحديثي الولادة، مع إدراج آليات طوارئ داخل الخطط التنفيذية للتعامل مع أي مستجدات قد تطرأ خلال السنوات المقبلة.


الوعي المجتمعي ومفهوم الإنجاب


أشادت بتحول ملموس في الوعي المجتمعي، مؤكدة أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على مفهوم «إنجاب واحد صحيح» باعتباره مدخلًا فكريًا مؤثرًا، إلى جانب التعليم، خاصة الجامعي، الذي أصبح عاملًا حاسمًا في تشكيل السلوك الإنجابي، جنبًا إلى جنب مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية.


كما شددت على ضرورة إدماج فئات كبار السن والشباب في التخطيط للأنشطة، باعتبارهم فئات مؤثرة في المعادلة السكانية.


رؤية الخبراء وآليات المتابعة


من جانبه، أكد الدكتور حسين عبدالعزيز، الخبير السكاني وأستاذ الاقتصاد والإحصاء بجامعة القاهرة ومستشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن نجاح المرحلة الثانية مرهون بوضوح الخطط القطاعية لكل جهة، بدءًا من صياغة الأهداف العامة والفرعية، مرورًا بتحديد الأنشطة، وانتهاءً بمؤشرات القياس والجهات المسؤولة والشركاء.

 

وأشار إلى ضرورة إعادة «فلترة» الأنشطة لتتوافق مع مستهدفات المرحلة الثانية، مع إضافة محور تنمية الأسرة والمرأة المصرية كمدخل أساسي لتحسين الخصائص السكانية.

 

واستعرضت الدكتورة غادة محسن، مدير عام الخطط والبرامج بمجلس الوزراء، المنظومة الرقمية التي أُطلقت لربط الجهات المشاركة في تنفيذ الاستراتيجية من خلال «اللوحة القومية لمتابعة الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية»، والتي تتيح إدخال البيانات والمؤشرات وتقديم الدعم الفني.


وأكدت أنه سيتم مخاطبة الجهات رسميًا لمتابعة خططها ومؤشراتها، مع إنشاء مجموعة دعم فني، وإنتاج فيديو توضيحي لشرح آلية التعامل مع المنظومة لضمان سهولة الاستخدام وتذليل العقبات.


كما توافقت مع نائب وزير الصحة والسكان على أن دور المجلس القومي للسكان هو التنسيق بين الجهات وليس التنفيذ، وأن التقييم الدوري، شهريًا وربع سنويًا، سيكون أداة الحسم في قياس التقدم الفعلي.


مبادرات جديدة واستباق التحديات


أشارت الدكتورة عبلة إلى تدشين مبادرة «ضيوفنا» بالتزامن مع اليوم العالمي للأسرة والسكان، بهدف رصد أعداد القادمين والمقيمين، بما يتيح التخطيط الاستباقي للخدمات، خاصة في ظل وجود جهات أخرى تعمل في الملف مثل لجان اللاجئين والطوارئ والتطعيمات.


وأكدت أن الرسالة واضحة: لا ينبغي أن يتحول أي متغير ديموغرافي إلى تحدٍ مفاجئ مستقبلًا.


مرحلة أكثر صرامة وواقعية


الانطباع العام من الورشة يؤكد أن المرحلة الثانية من الاستراتيجية لن تكون امتدادًا تقليديًا للمرحلة الأولى، بل مرحلة أكثر صرامة في القياس، وأكثر واقعية في تحديد المستهدفات، خاصة فيما يتعلق بمعدل الإنجاب الكلي خلال العامين القادمين.


فالمعادلة أصبحت واضحة: خطط واقعية، ومؤشرات دقيقة، وتقييم دوري، تقود إلى نتائج قابلة للقياس.


وفي النهاية، ما شهدته الورشة يعكس انتقال الملف السكاني من مرحلة «إدارة الأرقام» إلى مرحلة «حوكمة المؤشرات»، ومن خطاب تنظيمي إلى رؤية تنموية شاملة تضع جودة الحياة في قلب الاستراتيجية.


إنها رسالة مفادها أن القضية السكانية لم تعد ملفًا قطاعيًا، بل مشروع دولة يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا، وبيانات موحدة، ومتابعة صارمة، وإرادة تنفيذ لا تعرف التراخي. والأهم أن التخطيط لم يعد ترفًا، بل التزامًا وطنيًا.

 

 

 

 

تم نسخ الرابط