رمضان زمان.. قصة وكواليس فوازير "فطوطة"
كان لشهر رمضان في الماضي مذاق خاص لا يشبهه شيء، إذ لم تكن لياليه تكتمل إلا مع صوت مدفع الإفطار، ثم انتظار الفقرة الأجمل على الشاشة وهي فوازير رمضان، والتي لم تكن مجرد دقائق عابرة للتسلية، بل كانت طقسًا يوميًا يجتمع حوله أفراد الأسرة، وتتحول معه البيوت إلى مسارح صغيرة تردد الأغاني وتحاول حل الألغاز، وكلما أقبل الشهر الكريم، يعود الحنين إلى تلك الاستعراضات المبهرة والتترات الراقصة التي شكلت وجدان جيل كامل.

بدأت حكاية الفوازير في خمسينيات القرن الماضي عبر الإذاعة المصرية، بصوت الإعلامية الراحلة آمال فهمي، حيث كانت الفزورة تقدم في قالب شعري بسيط يحفز الذهن ويشرك المستمعين في متعة التفكير، ومع انطلاق البث التلفزيوني، انتقلت الفكرة إلى الشاشة الصغيرة، لتدخل مرحلة جديدة أكثر ثراءً من حيث الصورة والاستعراض.
وشهدت السبعينيات والثمانينيات ازدهارًا لافتًا لهذا الفن، خاصة مع المخرج المبدع فهمي عبد الحميد، الذي استطاع بإمكانات محدودة أن يصنع عوالم من الخيال، ويمزج بين التمثيل الحي والرسوم المتحركة، مقدمًا أعمالًا اتسمت بالإبهار البصري والدقة الفنية.
ومن أبرز أيقونات تلك المرحلة شخصية فطوطة، التي جسدها الفنان الراحل سمير غانم، ظهرت الشخصية لأول مرة في رمضان عام 1982 من خلال "فطوطة والأفلام"، من تأليف عبدالرحمن شوقي وإخراج فهمي عبد الحميد، وقد تميزت بملابسها اللافتة، بدلة خضراء وحذاء أصفر ضخم، بعدما كان اللون في البداية أسود قبل أن يُستبدل بالأخضر ليصبح جزءًا أصيلًا من هوية الشخصية.
وتوالت أعمال فطوطة بعد ذلك، فعاد في "فطوطة حول العالم" عام 1989، ثم "أهلًا فطوطة" عام 1998، كما قدمت الشخصية في أعمال لاحقة عبر الرسوم المتحركة والإذاعة، وتميز العمل بقدرة سمير غانم على تقديم أكثر من شخصية في آن واحد، منها شخصية "سمورة"، جامعًا بين الأداء التمثيلي والغناء والاستعراض بخفة ظل لافتة.
ورغم توقف فوازير فطوطة منذ سنوات، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، بأغانيها وكلماتها التي كتبها عبدالرحمن شوقي، ولحنها الموسيقار سيد مكاوي، لتظل رمزًا لمرحلة فنية مميزة ارتبطت ببهجة رمضان.
لقد كانت فوازير رمضان عملًا فنيًا متكاملًا يجمع بين اللغز والموسيقى والاستعراض، ويمنح المشاهد لحظات من الفرح الخالص، ومع تغير ملامح الشاشة في وقتنا الراهن، يبقى الحنين إلى فوازير الماضي شاهدًا على زمنٍ كانت فيه البساطة سرّ السحر، وكانت البهجة تصنعها فكرة مبتكرة وأداء صادق.
محطات في حياة سمير غانم
ولد الفنان الراحل سمير غانم عام 1937 في قرية عرب الأطاولة بمحافظة أسيوط، وبعد حصوله على الثانوية العامة، التحق بكلية الشرطة اقتداءً بوالده الذي كان ضابطًا، غير أنه فصل منها بعد رسوبه عامين متتاليين، فانتقل إلى كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، حيث حصل على درجة البكالوريوس، وهناك بدأت ملامح موهبته الفنية في الظهور من خلال انضمامه إلى الفرق المسرحية الجامعية.
وخلال فترة دراسته بكلية الشرطة، عاصر الفنان صلاح ذو الفقار، الذي كان يشغل آنذاك منصب ضابط السرية، وقد تحدث سمير غانم في أكثر من مناسبة عن إعجابه الشديد بشخصية ذو الفقار، معتبرًا إياه قدوة ومثلًا أعلى، لما عرف عنه من انضباط وحزم ممزوجين بمحبة الطلاب وتقديرهم له.
في الإسكندرية، كون سمير غانم مع الفنان وحيد سيف وعادل نصيف فرقة اسكتشات غنائية كانت تقدم عروضها على مسارح المدينة، إلا أن الفرقة لم تستمر طويلًا، إذ انسحب وحيد سيف لارتباطه بالدراسة والعمل، بينما استكمل عادل نصيف دراساته العليا في مجال الحشرات بكلية الزراعة وسافر إلى بلجيكا.
وفي تلك الفترة، كانت شهرة جورج سيدهم قد بدأت في جامعة عين شمس، كما ذاع صيت الضيف أحمد في جامعة القاهرة، جمعهم سمير غانم معًا لتأسيس الفرقة الشهيرة " ثلاثي أضواء المسرح"، التي سرعان ما لمع نجمها، خاصة بعد تقديم مسرحية "طبيخ الملايكة" عام 1964 من إخراج حسن عبد السلام.
قدم الثلاثي عددًا من الأفلام والاسكتشات والمسرحيات الناجحة، منها "حدث في عزبة الورد" و"الراجل اللي اتجوز مراته" و"حواديت"، إلى جانب اسكتش "كوتوموتو" الشهير، غير أن الفرقة انحلت مطلع السبعينيات عقب وفاة الضيف أحمد عام 1970، ليتجه سمير غانم بعدها إلى العمل المسرحي والسينمائي، ويستكمل تعاونًا فنيًا مع جورج سيدهم أثمر عن مسرحيات بارزة في تاريخ الكوميديا المصرية.
وشهدت السبعينيات نشاطًا فنيًا متنوعًا لسمير غانم بين السينما والمسرح والتلفزيون، فشارَك في أفلام عدة، منها "الصديقان"، و"لسنا ملائكة"، و"واحد في المليون"، و"المجانين الثلاثة"، و"نحن الرجال طيبون"، و"نار الشوق"، و"فرقة المرح"، و"ولد وبنت والشيطان"، إلى جانب مسرحيات مثل "موسيكا في الحي الشرقي" و"فندق الثلاث ورقات" أمام صلاح ذو الفقار.
وفي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، قدّم مع جورج سيدهم من أبرز أعمالهما المسرحية "المتزوجون" في عام 1978، و"أهلًا يا دكتور" في عام 1981، وهما من العلامات البارزة في تاريخ المسرح الكوميدي.
عام 1982 توفي شقيقه ومدير أعماله سيد غانم، وهو ما أدخله في حالة من الحزن الشديد، ودفعه إلى إعادة النظر في مسيرته الفنية، فشهدت تلك المرحلة انفصالًا فنيًا بينه وبين جورج سيدهم، وفي عام 1983، تعاون مع المخرج فهمي عبد الحميد لتقديم أولى حلقات فوازير "فطوطة والأفلام"، التي حققت نجاحًا جماهيريًا واسعًا، ما شجعهما على استكمال التجربة في "فطوطة والشخصيات" عام 1986.
وخلال الثمانينيات والتسعينيات، تألق سمير غانم في سلسلة فوازير رمضان بشخصيتي "فطوطة" و"سمورة"، كما قدم أعمالًا أخرى مثل "فوازير المتزوجون" عام 1992، و"المضحكون" عام 1993، و"أهل المغنى" عام 1994، مؤكدًا مكانته كأحد أبرز نجوم الكوميديا والاستعراض في مصر والعالم العربي.



