رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في مساء السبت الماضي 6 يونيو وبمقر مؤسسة مصرية نادرة في عملها البحثي المختلف علمياً لاتصالها بالمستجدات المعرفية المعاصرة وصلتها البحثية المباشرة بالواقع الميداني وأحدث ما يجري من تطورات في العلوم الإنسانية، وهي مؤسسة الحوار للدراسات والبحوث الإنسانية شاركت في الحلقة النقاشية المعنونة "بالتنافس الدولي على الموارد الحيوية.. الأمن المائي والغذائي نموذجاً".

 

وهو عنوان ورقة العمل الأساسية التي قدمتها الباحثة ياسمين هلالي نائب مدير مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية، وعقب عليها الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم رئيس المنتدى العالمي للسياحة والبيئة بمؤسسة الحوار، بمشاركة مجموعة من المختصين والمهتمين، وذلك في إطار المشاركة المصرية في اليوم العالمي للبيئة وتحديات الأمن المائي والغذائي.

 

وقد دار النقاش حول ما هي إجراءات عملية يجب التخطيط لها، والبدء في وضع خطط لمواجهة الجوع والفقر المائي الذي يهدد العالم المعاصر، والذي هو عار كل الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ، عار الجوع.

 

هكذا تعرف مصر القديمة والمعاصرة، فقد صور لنا القدماء المصريون صناع الخلود الفني الزراعة والطعام للجميع وقدسوا نهر النيل، الذي كان حاضراً في قسم المصري القديم كي تعبر روحه إلى العالم الآخر بسلام، فقد كان يقسم أنه لم يلوث ماء النيل.

 

ومصر القديمة التي كانت سلة حبوب العالم القديم تنظر حقاً لفكرة الجوع والعطش على اعتبارها عارا لا يمكن قبوله.

 

وفي مصر يقول المثل الشعبي الشهير "محدش بيبات من غير عشا"، بثقة التخلص من الشعور بالذنب في الوجدان العام عندما يجلس المصريون للعشاء.

 

في مصر الماء متاح في الطريق العام وسقيا الماء واجب أخلاقي وديني وسر شعبي مصري، إذ تجد الماء متاحاً في كل الطرقات بهذه الإتاحة التي تعبر عن راحة الضمير، تجاه السقيا والطعام في مصر، فلا يمكن أن يطلب إنسان الماء والطعام إلا ويحصل عليه.

 

هذا غير ممكن في الفنادق الكبرى ولا المطاعم الفاخرة، لكنه واجب شعبي مشترك عام في كل شوارع مصر المحروسة في الأحياء الشعبية وأحياء الطبقة المتوسطة المصرية، وهي تشاركية إنسانية أتاحتها الثقافة المصرية الشعبية بقلب مصر المؤمن المشبع بالحضارة والدين والإنسانية.

 

وفي هذا الاتجاه وفي إطار ما تدعو إليه الأمم المتحدة من ضرورة بناء أنظمة غذائية ومائية أكثر مرونة، بدأت مصر في الدخول الواقعي العملي بالبدء في القضية الأولى الأهم وهي الماء، فتوسعت في مشروعات تحلية مياه البحر للزراعة والاستخدام الآدمي، كما بدأت حلمها الكبير بمشروع الدلتا الجديدة وهو المشروع المستقبلي للحفاظ على احترام مصر الإنساني لفكرة ضرورة الطعام والماء للجميع، وهو ما يستعيد مساراً تاريخياً جيولوجياً يعتمد على رصد علمي لمياه جوفية متاحة في الدلتا الجديدة، وقدرات علمية أخرى لتوفير المياه هناك، مع مشروعات استصلاح زراعي كبرى تستخدم العلوم الزراعية المعاصرة في الري بالتنقيط.

 

كما طرحت الحلقة النقاشية أملاً علمياً في الدخول لعلوم استمطار السحب، والتي لا تزال في معظمها غير متاحة للتعليم والبحث العلمي الدولي العام.

 

ويأتي النقاش الموسع في إطار اهتمام مصر الحضاري بمسألة تغير المناخ والذي يؤدي إلى تحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس.

 

وهي مسألة ذات تاريخ فقد أثبت علماء المناخ أن البشر هم السبب خلف كل هذا الاحتباس الحراري خلال المئتي عام الأخيرتين.

ذلك أنه وخلال القرن العشرين ومع تأثير الثورة الصناعية الأولى ارتفعت درجة حرارة الأرض إحدى عشرة درجة مئوية عن الحرارة الطبيعية في القرن التاسع عشر.

 

وبينما يسير العالم في اتجاه ارتفاع متوقع للحرارة وفقاً للسياسات العلمية حول العالم في القرن الحادي والعشرين يقدر بـ 2,8 درجة مئوية، بينما يحاول العالم واتفاقية المناخ الحد من هذا الارتفاع، ويضع تقديراً هو 1,5 درجة في المئة هي درجة الخطر القابل للاحتمال.

 

وبينما يحدث ذلك في أماكن عدة حول العالم، إلا أن تأثيره السلبي عبارة عن علاقات تفاعلية على كوكب الأرض تؤدي إلى مخاطر تهدد البشر جميعهم.

 

وإذ تحاول مصر أيضاً الإسهام الفعال مع رغبة ودعوة الأمم المتحدة الحد من الفقر والجوع، تذكرت تصدي مصر مع الكاتب الكبير توفيق الحكيم لمسألة الطعام لكل فم.  

 

وهي الفكرة التي طرحها بنفسه في أثناء تمثيله لمصر في مؤسسة اليونسكو الدولية بباريس، وقد كان ذلك عام 1959، وظل الحكيم يكتب ويدعو لفكرته التي قدمها كخيال سياسي يعتمد على بيانات وإحصاءات آنذاك، وهنا كان العالم يستخدم السيطرة الاستعمارية لنشر الجوع بالهيمنة على الثروات والمصادر الأولية للطاقة والماء والطعام، وكان الجوع وسيلة للسيطرة على أعداد كبيرة من البشر.

 

ثم خلد الحكيم فكرته في مسرحيته الشهيرة الطعام لكل فم التي عرضت على المسرح القومي في الموسم المسرحي 1963/ 1964.

 

وهي المسرحية المترجمة إلى الفرنسية وعدد من اللغات الحية، وحاضرة كدليل على مساهمة المسرح المصري في تراث الإنسانية على الصعيد الدولي.

 

ولكن عندما كتب الحكيم مسرحيته كان البشر والقوة البشرية القاهرة للاستعمار ولسيطرة العالم الغربي آنذاك على الطعام والماء هي المشكلة، وكانت مشكلة صنعها البشر، ويمكن حلها برفع السيطرة الاستعمارية عن العالم الثالث، واستخدام العلم من أجل الإنسانية، أما الآن فالعالم يذهب نحو صنع كارثة قدريه كونية، إذ إن حدوث ذلك التغير المناخي سيخرج بكل الدنيا من مسألة يملكها الإنسان ويستطيع حلها بالعودة للإنسانية، إلى مسألة قدرية تهدد فكرة العيش على كوكب الأرض.

 

إن الطعام لكل فم الآن يدخل بعد عالم ستينيات القرن العشرين إلى صراع أكبر، صراع مع الطبيعة ليصبح الفقر المائي قدراً طبيعياً كونياً لا يستطيع الإنسان حله حتى إذا أراد.

 

لأن أي قراءة معاصرة للطعام لكل فم الآن يجب أن تراها كارثة ذات طبيعة قدرية، سوف تؤدي إلى غضب كوكب الأرض على الإنسان الذي صنع الجوع بالاختيار، إلى عالم يحدث فيه الجوع والعطش جبراً على الجميع، الأقوياء والمقهورين، الأغنياء والفقراء، عالم مرعب قادم إن لم يستجب الإنسان المعاصر لإنسانيته ويتوقف عن الدخول في عداء مع كوكبنا الأم الأرض العادلة، أرض الله الواسعة.

تم نسخ الرابط