الخميس 26 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تحولات هيكلية كبرى واستثمارات مليارية ترسم ملامح عام 2026

بوابة روز اليوسف

يشهد المشهد المالي العالمي حالة من الحراك المكثف، حيث تتسارع الخطى في دول المنطقة لتعزيز القواعد الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل. 

 

وضمن آخر أخبار الاقتصاد التي تتصدر الواجهة، يبرز الدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في قيادة قاطرة التصنيع الإقليمي. 

 

وفي ذات السياق، يسعى فاعلون دوليون في منطقة الشرق الأوسط وخارجها إلى التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية والبيئية الجديدة، مما يخلق توازنات اقتصادية غير مسبوقة تؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للقارات.

 

سدير للصناعة: قلب السعودية النابض بالاستثمارات

في خطوة تعكس جدية المملكة في تنفيذ مستهدفات رؤية 2030، شهدت مدينة سدير للصناعة والأعمال تدشين مشاريع رأسمالية وعقود استثمارية ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية 3 مليارات ريال (نحو 800 مليون دولار). هذا الحراك الذي قاده وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريف، يهدف بشكل أساسي إلى تحويل مدينة سدير إلى مركز صناعي ولوجيستي متكامل.

 

وتضمنت هذه المشاريع تطوير البنية التحتية الأساسية على مساحات شاسعة تصل إلى 6 ملايين متر مربع، مع التركيز على شبكات الطرق والمياه والصرف الصحي. ومن أبرز المنجزات في هذه الجولة:

 

  • الطاقة والكهرباء: إنشاء محطة تحويل كهربائية بسعة 200 ميغافولت/أمبير لضمان استدامة التشغيل للمصانع الكبرى.
  • دعم رواد الأعمال: بناء 44 مصنعاً جاهزاً لتقليل التكاليف التشغيلية على المستثمرين الجدد وتسريع وتيرة الإنتاج.
  • التطوير البشري: توقيع عقد مع غرفة المجمعة لإنشاء مركز تدريب متقدم باستثمار قيمته 16 مليون ريال، لضمان وجود كفاءات وطنية قادرة على قيادة هذه المصانع.
  •  

كوريا الجنوبية: أشباه الموصلات تقود نمو الصادرات

 

على الجانب الآخر من العالم، أظهرت البيانات الكورية الجنوبية صموداً لافتاً في الربع الرابع من عام 2025. حيث ارتفعت صادرات الشركات الكبرى بنسبة 10 في المائة، محققة 128.1 مليار دولار. وكان قطاع أشباه الموصلات هو المحرك الأساسي لهذا النمو، مستفيداً من الطلب العالمي المتزايد على التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

 

لكن المثير للاهتمام هو التوجه الكوري نحو تنويع الأسواق؛ فبينما تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بسبب عدم اليقين المرتبط بالرسوم الجمركية، قفزت الصادرات نحو الشرق الأوسط بنسبة تقارب 20 في المائة، ونحو أميركا الوسطى بنسبة تجاوزت 32 في المائة. هذا التحول يشير إلى رغبة سيول في تقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية المتقلبة سياسياً.

 

اليابان وتحدي الدين العام: أزمة تلوح في الأفق

تواجه اليابان معضلة اقتصادية معقدة تتعلق بارتفاع تكاليف خدمة الدين. تشير تقديرات وزارة المالية اليابانية إلى أن البلاد ستحتاج إلى إصدار سندات بقيمة 38 تريليون ين بحلول عام 2029 لمواجهة العجز المتزايد. هذا الضغط المالي ناتج عن عدة عوامل متداخلة:

 

  1. شيخوخة السكان: التي تفرض تكاليف باهظة على نظام الرعاية الاجتماعية.
  2. ارتفاع أسعار الفائدة: مع توجه بنك اليابان لرفع أسعار الفائدة، ستزداد تكلفة خدمة الديون لتصل إلى نحو 30 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي.
  3. تجديد السندات: اضطرار الحكومة لتجديد سندات قديمة كانت بفائدة منخفضة جداً، بسندات جديدة ذات عوائد مرتفعة.
  4.  

هذا الوضع يضع ضغوطاً هائلة على السياسة المالية لليابان، ويجعل من الصعب تنفيذ وعود التخفيضات الضريبية دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض، مما يهدد الاستقرار المالي طويل الأمد لثالث أكبر اقتصاد في العالم.

الهند والصلب: البحث عن بدائل لضريبة الكربون الأوروبية

 

تجد الهند نفسها اليوم في مواجهة "الجدار الأخضر" الأوروبي. فمع دخول ضريبة الكربون التي فرضها الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، تأثرت صادرات الصلب الهندية التي يذهب ثلثاها عادةً إلى الأسواق الأوروبية. وبصفتها ثاني أكبر منتج للصلب الخام عالمياً، بدأت الهند استراتيجية هجومية للبحث عن أسواق بديلة.

 

التوجه الهندي الحالي يركز بشكل مكثف على دول الشرق الأوسط وآسيا، حيث تشهد هذه المناطق طفرة في مشاريع البنية التحتية التي تتطلب كميات هائلة من الصلب. وتعد هذه الخطوة محاولة للالتفاف على التكاليف الإضافية التي تفرضها آلية تعديل الحدود الكربونية، مع السعي للحصول على دعم حكومي لمنافسة المنتجات الصينية المهيمنة في الأسواق الآسيوية.

 

قراءة في موازين القوى الاقتصادية الجديدة

إن التدقيق في هذه التحركات يظهر بوضوح أن خريطة الاقتصاد العالمي في عام 2026 لم تعد تتبع الأنماط التقليدية. فالمملكة العربية السعودية تتحول من مستهلك للصناعات إلى منتج ومصدر ومطور للبنى التحتية، بينما تحاول القوى الصناعية التقليدية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهنـد إعادة تعريف علاقاتها التجارية لمواجهة التحديات البيئية والمالية.

إن الاستثمارات التي تضخ في مدينة سدير ليست مجرد أرقام، بل هي جزء من منظومة شاملة لتعزيز سلاسل الإمداد الوطنية. وفي المقابل، فإن التضخم في ديون اليابان والقيود الكربونية في أوروبا تدفع دولاً مثل الهند وكوريا إلى البحث عن "ملاذات تجارية" جديدة، غالباً ما تجد ضالتها في الأسواق النامية التي تمتلك شهية مفتوحة للنمو العمراني والصناعي.

 

في النهاية

يبقى المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة هو "المرونة والقدرة على التكيف". فالدول التي تستثمر اليوم في البنية التحتية المتقدمة والتدريب المهني، مثلما تفعل السعودية في سدير، هي التي ستكون أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الدولية. وفي المقابل، تظل تحديات الديون وتغير المناخ هي الاختبار الأصعب للدول الكبرى، مما يفتح الباب أمام تحالفات اقتصادية جديدة تعيد رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، وتجعل من التنوع التجاري والابتكار الصناعي طوق النجاة الوحيد في ظل هذه التحولات العاصفة.

تسجيلى

تم نسخ الرابط