هل يجوز حديث أباطرة دم فى دولة متطرفة.. عن العنصرية؟!
فى إسرائيل ملأت هيئة البث الدنيا بصراخ عن مسلسل «صحاب الأرض» قبل عرضه، وصوت عالٍ بعد عرضه.
فى الولايات المتحدة نقلت صحف محلية كثيرة عن الهيئة الإسرائيلية، وفى أوروبا أيضًا ذكرت تقارير صحفية تفاصيله، وسط أحاديث عن العنصرية الدينية واتهامات من تلك النوعية.
أى أحاديث عن العنصرية؟
فى إسرائيل قالوا إن المسلسل يلوم على الدين، ويطعن فى اليهود وفى عقائدهم مع أنها ديانة سماوية ونبيها كلم الله فى سيناء.
قالوا إن المسلسل وقع فى الخلط بين اليهودى وبين الصهيونى، وإنه متاجرة درامية بمعاناة الناس فى غزة، كما أن صنَّاعه لم يضعوا أية اعتبارات لوجهات النظر الإسرائيلية فى المسألة الفلسطينية!
حلوةً «وجهات النظر الإسرائيلية» تلك!
الكلام غاية فى الغرابة، والحملة المشتعلة هى الأخرى عجيبة أو كما فى المثل الدارج المصرى: «يعيش البجح..».
من كتب تقارير هيئة البث لا يرى من الغربال.
-1-
هو عمى البصر وعمه البصيرة فى دولة تمارس القتل وترفض دعوات الثأر، وتقتل على الهوية وعلى الدين، وتتعلل بالكتب السماوية، وتمارس الإرهاب ثم تتعلل بالأمن، وتنزع الأطراف وتهدم البيوت فوق رؤوس سكانها وتقول إنه حق الدفاع عن النفس.
أنت أمام نموذج صارخ من عمى حسى من العيار الثقيل، والتفاف على الحقائق، والمناورة بالكلام والمفردات والحجج الجوفاء والكلام الفارغ.
كل هذا ويقولك مسلسل عنصرى!
ثم أية وجهات نظر تلك التى لم تراع فى «صحاب الأرض»؟
ومنذ متى والشركات الوطنية المصرية ممكن أن تنتج أعمالًا فنية على هوى تل أبيب وكيفها؟
ثم تعالى إلى أسئلة كثيرة: هل فى الدمار الشامل وتقتيل النساء والأطفال والشيوخ ومحاولات سرقة الأوطان وجهات نظر؟
هل فى تعمُّد تغيير الجغرافيا، وجنون محاولات محو التاريخ آراء؟
هل فى تعطيل المرحلة الثانية للآن بألوف من العراقيل المفتعلة توضع كل يوم لمنع دخول لجنة غزة لغزة بينما يموت المئات كل ساعة رغم الاتفاق.. وجهة نظر؟
تتحجج إسرائيل بسلاح حماس، بعدما حطمت حماس وبعد أن استعادت الأسرى ونسفت الأنفاق وساوت الأرض بالأرض.
للآن هى تتحجج بسلاح حماس!
أى سلاح مع حماس؟
هل تخشى إسرائيل من كلاشينكوف قديم متناثر بين بقايا الحركة؟
هل يمكن أن تقف «المخروطة» ذات الرصاصة الواحدة لدى بعض من المنتسبين لحماس فى أرجاء غزة عائقًا أمنيًا خطيرًا وكبيرًا ومهولًا وضخمًا ولا مثيل له يمنع من الامتثال الإسرائيلى لاتفاق عالمى وقع فى شرم الشيخ؟
هى حجج وكلام ابن عم حديث لأنه ليس فى الإجرام وجهات نظر.
-2-
على الأرض فى غزة تقام كل يوم مجزرة متعمدة على أيدى مجرمين، وينصب كل يوم شادر دماء على أيدى مجموعات من اليهود المتطرفين.
لم يقع «صحاب الأرض» فى خطأ الخلط بين اليهود والصهاينة، لأن الصهاينة من إسرائيل، ولأن الحكومة هناك هى التى تستعيد نبوءات دينية فى كل خطوة ومع كل جريمة.
فى فلسطين المحتلة اليهود هم الذين يقتلون بتفسيرات توراتية فى دولة جيشها عبرى يضع قادته على أرديتهم شارات ذات دلالات دينية.
التزامن بين الحديث فى تل أبيب عن «صحاب الأرض» وبين حديث مايك هاكابى، إشارة شديدة الوضوح إلى أن التفكير العنصرى الدينى يأتى من الجانب الآخر ليس من هذا الجانب.
هاكابى سفير واشنطن فى تل أبيب قال منذ ساعات، بوضوح، وبصراحة، وبصدر مفتوح ما معناه أن إسرائيل مدعومة فى محاولاتها للسيطرة على الشرق الأوسط من الله.
قال ما يشير إلى أن الشعب المختار، موكل إليه التوسع والتمدد فى الدول العربية، من الفرات للنيل، فى إشارة لا يمكن إخفاؤها ويستحيل غفرانها.
الإشارة ليست إلى الأراضى المصرية وحدها؛ إنما إلى الأراضى السورية والعراقية والأردنية.. كله باسم وعود الله وباسم الله وباسم كتاب الله!
أية صفة يمكن أن تمنح لهذه الصياغة من الكلام غير العنصرية والتطرف؟
هاكابى نفسه عنصرى متطرف اسمًا وديانة.. وتاريخًا فى اللاهوت قبل منصب السفير.
الرجل معروف بتشدده العقيدى خلال عمله قسيسا قبل إيكال أمر السفارة إليه.
وفى التعريف هو مسيحى معمدانى صهيونى، ومن اسمه «هاكابى» استعارة من «فرع المكابين القديم».
والمكابيون منهم عشيرة الحشمونيين، إحدى أكبر الطوائف عنصرية وتشددًا فى الديانة اليهودية.
كل الثورات التى قامت تنفيذًا لتفسيرات توراتية غير صحيحة وغير سليمة وشديدة التطرف ضد الآخرين من الديانات الأخرى والدول المجاورة.. أثارها حشمونيون، ويستحضر نتنياهو سيرة المكابيين كنموذج للمقاتلين اليهود فى كل خطاباته، قبل 7 أكتوبر وبعدها.
-3-
فى التاريخ، عمل المكابيون دائمًا على توسيع حدودهم تنفيذًا لتعاليم الله، لذلك فهم يرفضون العرب، ويرفضون المسلمين، ويرفضون أيًا من الأجناس المحيطة فى الجزيرة العربية وأراضى اليهود الموعودة.
وهاكابى منهم.
فى اللغة العبرانية توضع أداة التعريف بالهاء بدلا من الألف واللام فى العربية. والرجل اسمه بالعربية «المكابى».
وفى الولايات المتحدة هناك من يقول إن صفة «المكابى» لقب أضيف إليه خلال حياته الكهنوتية، بعد آرائه المتشددة عن «أرض الميعاد» واتساقًا مع نظرته للشعوب العربية فى الأراضى المحتلة أو خارجها.
هو يكره فكرة الدولة الفلسطينية كراهية العمى، وهو يرفض الهوية العربية بالكلية، وسبق أن أيد مستوطنات الضفة التى أدانها العالم والعرب والمسلمون وحتى بعض دول أوروبا.
قال مرة فى مؤتمر واسع فى الولايات المتحدة إنه لا شىء اسمه فلسطينى وإنه لن يبقى فى إسرائيل من يمكن أن يطلق عليه ذلك الاسم!
وقبل عامين رفض تسمية الضفة الغربية لأنها يهودا والسامرة، لذلك فلا شىء اسمه مستوطنات، لأنها مجتمعات وأحياء ومدن.
وقال إن اليهود ليسوا احتلالًا، لكنهم متواجدون على أرض مكنها لهم الله، فأقاموا وقعدوا.. يحلمون بالباقى من وعود ربانية!
هل «صحاب الأرض» هو الذى يمكن أن يصفه أحد بالعمل العنصرى المتطرف؟
لا يمكن ولا هو متصور.
كل ما فعله المسلسل أنه فتح ملف المأساة فى غزة ووضعها على الشاشة أمام الجميع «عرب وغير عرب».
شرح وشرَّح على الشاشة بطولات مصرية ــ فلسطينية فى ظروف مأساوية تعمدها صهاينة، لذلك كان وجعًا فى قلب إسرائيل.. وضربة فى الصدر وصفعة على الوجه.. و«زغدة» فى الحلق.
الدراما شرح وافٍ أحيانًا، وأحيانًا أخرى مواثيق شعوب.. وتوثيق تاريخ.
لماذا غرز المسلسل ثقوبًا من إبر مؤلمة فى عيون إسرائيلية وقحة؟
لأنه عرَّى جبابرة، وكشف طغاة.
ولأنه أظهر مزيدًا من بطولات مصرية، وصمود فلسطينى على الأرض.. تمسكًا بالأرض.. وإصرارًا على حق.
فى تل أبيب جيش هزمه «الطوب».. وأرقته الصواريخ المصنعة محليًا، ثم أدار الأوجاع فى أدمغة قادته مسلسل أنتجته المتحدة.
وجع فى قلوبهم.
نقلاً عن مجلة صباح الخير



