يبقى المسرح هو التفسير الثقافي والفكري الأكثر إنسانية لكل الأحداث التاريخية، وإذ يجب ألا نصدق أن التاريخ يعيد تكرار نفسه، فهي مقولة تشير عبر تكرارها وتواترها الكثيف إلى عبثية التاريخ الإنساني، والنصوص الدرامية الخالدة تؤكد حقاً أن تاريخنا البشري ليس تاريخاً دائرياً.
بينما تاريخ البشرية هو تكرار فعلي لصراع المصلحة والقوة، والضعف الإنساني شاهد على غياب الرحمة والإنسانية عبر التاريخ، فالضعيف هو فاتح الشهية الأبرز لكل هؤلاء الذين لا يملكون قلوباً سليمة ولا يعترفون إلا بمنطق القوة.
وتأتي المجاعة كأحد أبرز الوجوه القاسية للإنسانية المعاصرة، وما يؤكد فظاعتها هو ترف المترفين في عالم هو قرية ظالم أهلها.
ويطل وليم شكسبير برأسه في كل المشاهد المعاصرة كدليل على قدرة المسرح الخالد على تقديم التفسير للسلوك الإنساني الملغز، فعند شكسبير تبدأ المجاعة حقاً كمجاعة عاطفية تنشأ عن الأنانية المفرطة والشرور البشرية وخيانة الأشقاء، وغيرة الشقيقات القاتلة، وضياع الطيبين بحسن نواياهم، ثم يلي ذلك القتل والحرب، والحرب حقاً هي باب الجحيم البشري هي جهنم الدنيا وعذاب مقيم، وهي الطريق السريع نحو الجوع والمجاعة، وهي التعبير الدرامي عند وليم شكسبير عن غياب العدالة في هذا العالم ونقص الولاء واختفاء المحبة.
يبقى هذا الفهم الدرامي الإنساني للمجاعة التي تتفاقم في السودان، إذ إن المجاعة تتفاقم هناك منذ 2023 وتزداد كل عام وقد وصلت إلى حدود مرعبة لا يراها العالم المنشغل بقضايا حروب أخرى في فلسطين وأوكرانيا واليمن، والصراع الإيراني الإسرائيلي وجزيرة الفضائح، وغيرها من الملهيات المضحكات، لكنه حقاً ضحك كالبكاء.
ولا شك أن الحجم غير المسبوق في السودان للحاجة للطعام يتطلب تعبئة دولية عاجلة، والقراءة الحذرة لقرار مجلس الأمن رقم 2417 بشأن المجاعة، ونصه عن الضمير الجماعي للبشرية يبدو مثيرا للشفقة على ازدواجية القرار الدولي المعلن، بينما تأتي الأفعال اللامبالية والشريرة حاضرة من خلف الكواليس، بعيداً عن المؤتمرات والقرارات التي تصدر عن مجلس الأمن، وتبقى حبرا على ورق، بينما تستمر تلك المجاعة ويستمر القتل وتشريد البشر، ولإقامة المزيد من خيام اللجوء حول العالم.
وإذ يأتي شهر رمضان المبارك هذا العام على عالمنا العربي والإسلامي والأشقاء يعانون المجاعة في السودان، فهو علامة دالة على ابتعادنا كشعوب عربية وإسلامية عن النظر وفقاً لما يذكرنا به شهر الصيام من فضائل بالكرم والإطعام.
فهل يجب علينا حقاً أن ندرك في عالمنا العربي والإسلامي ضرورة إيقاف تلك المجاعة في السودان، هذا حتى يتقبل الله منا الصيام والقيام، وأن نترك مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة تناشد الجهات الأربع للدنيا بالغة القسوة.
حقاً إنه عالم قاس متوحش يدعو لأن نردد كأفراد يؤرقنا الألم والشعور بالذنب مع هاملت شكسبير: ليتني أذوب وأنحل إلى قطرة ندى، حقاً في عالمنا العربي والإسلامي يتكرر السؤال أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة.



