الجسد العربى، مثل الجسد البشرى، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، حقيقة لا يمكن تجاهلها، وما أكثرها التحديات والأوجاع العربية، من توابع انكسارات وشروخ مؤسسات عدة دول ضربها زلزال خريف 2011، إلى تسونامى الصراعات الدولية الملتهبة بمخاطرها وانعكاساتها الإقليمية والدولية على الأمة ودولها.
ولا مناص ولا خيار للبقاء إلا بتعزيز قوة الأمن القومى العربى، الذى هو محصلة مجموع الأمن القومى الفردى لكل دولة عربية، ومن ثم يبدأ الأمن القومى العربى، بتكامل الدول العربية الرائدة المستقرة الفاعلة، لدعم الدول التى شهدت وما زالت تشهد مؤسساتها شروخًا وصراعات للتعافى واستعادة بناء مؤسساتها الوطنية.
إذن الشفرة السرية للأمن القومى العربى، وتنمية القوة الشاملة فى مواجهة التحديات المتعاظمة غير المسبوقة، تكمن فى رفع كفاءة أعضاء الجسد العربى، وتكاملها بما تمتلكه كل دولة من مقومات وقدرات سياسية وحضارية واقتصادية وجيوسياسية.
من هذه القاعدة، يمكن قراءة، العلاقات «المصرية - السعودية» الراسخة، الضاربة بجذورها فى عُمق التاريخ، وما تشهده من تطور يعزز التعاون الثنائى فى مُختلف المجالات، وهو ما تعكسه الزيارة الأخوية الأخيرة التى قام بها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أمس الأول الثلاثاء إلى المملكة العربية السعودية، واجتمع خلالها مع أخيه الأمير محمد بن سلمان ولى عهد المملكة العربية السعودية، رئيس مجلس الوزراء بمقر إقامته بمدينة جدة، طلب الرئيس نقل تحياته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
مصر والمملكة العربية السعودية، تمثلان ركيزتى الأمن القومى العربى، بما لهما من ثقل تاريخى وحضارى، ومكان ومكانة.
مصر حضارة 7 آلاف عام، 1.002 مليون كيلومتر مربع، عبقرية المكان، وعظمة المكانة إقليميًا وعالميًا، 110 ملايين مواطن يشكلون ثروة بشرية بإرثها الحضارى وقدراتها المعاصرة، قوة فاعلة لا يُستهان بها فى معايير تقدير القوى الشاملة للدول، جيشًا عظيمًا يمتلك قدرة ردع متنامية، نهضة تنموية وقدرة دبلوماسية فاعلة، عضو مؤسس بالأمم المتحدة، وراعٍ تاريخى قوى للقضية الفلسطينية، دولة تمتلك قدرة شاملة متنامية تمكنها من فرض خطوطها الحمراء حفاظًا على أمنها القومى ومحددات الأمن القومى العربى.
والمملكة العربية السعودية، أقوى دول الجزيرة العربية، ذات مكانة دينية، بما كرّمها الله به من حرمين شريفين، المكى والمدنى، تهفو إليهما قلوب مليار مسلم حول العالم كل عام، وما تملكه من قدرة دبلوماسية وقوة اقتصادية، وثروة نفطية جعلتها المصدر الأول عالميًا للنفط بما يعزز من قدرة نفوذها العالمى، يُضاف لذلك كونها الأكبر خليجيًا فى عدد السكان والمساحة الجغرافية.
كل ذلك يؤكد أن تكامل الدولتين، اللتين تمثلان جناحى الأمن القومى العربى؛ الركيزة الأساسية لتعزيز القدرة الدفاعية العربية فى مواجهة تسونامى التحديات، والثبات فى موضع المصلحة العربية والإقليمية فى مواجهة تزايد قوة التجاذبات بين القوى العالمية.
وفى ظل تنامى مؤشرات الصراعات دوليًا وإقليمًا، تزداد أهمية تنسيق القوى العربية الفاعلة العاقلة، فالصراع الروسى الأوروبى فى أوكرانيا لا يزال ممتدًا، والصراع الأمريكى الصهيونى مع إيران يتصاعد، والأمن القومى العربى فى البحر الأحمر والقرن الإفريقى تتنامى تحدياته، ودول عربية تشهد صراعات منها ليبيا والسودان واليمن لا تزال عصية على الاستقرار.
فيما تظل القضية الفلسطينية أم القضايا، تواجه التحديات والمخططات الصهيونية، بما يتطلب مزيدًا من تعزيز الجهود والتنسيق العربى، لتثبيت وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، والانتقال إلى مرحلة التعافى المُبكر وإعادة الإعمار، وردع محاولات الالتفاف على اتفاق شرم الشيخ للسلام، ووقف انتهاكات وأطماع الاحتلال فى أراضى الضفة.
ومن هنا تأتى أهمية تعزيز التعاون المصرى السعودى، وما يتبعه من تعزيز دائرة التكامل مع الإمارات العربية ودول التعاون الخليجى، والحد من الخلافات وتعزيز المشتركات التى تخدم مرتكزات الأمن القومى العربى.
ويمكن استخلاص ثوابت المشتركات المصرية السعودية، من تلك الزيارة الأخوية الأخيرة وما سبقها من زيارة أخوية للإمارات العربية، تعزيزًا للمشتركات واحتواءً لأى تباينات فى وجهات النظر، فمصر بخبراتها التاريخية، تقدم دائمًا دورًا فى جمع شمل الأشقاء.
-1 تمسك مصر والسعودية بضرورة التزام كافة الأطراف باتفاق وقف الحرب فى غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام وزيادة نفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع دون عراقيل، وسرعة البدء فى عملية التعافى المُبكر وإعادة الإعمار.
-2 الرفض القاطع لأى محاولة لتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، والتمسك بحل الدولتين فى إطار حل سياسى شامل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
-3 أهمية العمل على تجنب التصعيد والتوتر فى المنطقة، ودعم الحلول السلمية للأزمات عبر الحوار.
-4 تعزيز التضامن العربى لمواجهة التحديات مع التشديد على احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها وعدم التدخل فى شئونها الداخلية.
-5 مواصلة التنسيق والتشاور المصرى السعودى من أجل الحفاظ على الاستقرار الإقليمى.
تلك الثوابت فى التعاطى مع التحديات الإقليمية والدولية، يمكن أن يبنى عليها، لتكامل عربى عبر حوار هادف يحد من تباينات الرؤى بين بعص الدول العربية، فالهدف الأسمى استعادة قوة الدول العربية التى شهدت تصدعات بحلول سلمية تعظم قدرة مؤسساتها الوطنية، لتمثل قيمة مضافة فى القدرة العربية الشاملة.
وفى هذا السياق من المهم أن يواكب الوعى الجماهيرى تلك الثوابت التى تنتهجها القيادة السياسية، فهناك من يحاول إثارة الفتن بين الشعوب العربية، ولعل زيارة المستشار تركى آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه بالسعودية، الذى استقبله الكاتب الصحفى ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام وما تضمنته الزيارة من لقاءات، يقطع الطريق على من يسعون إلى تعكير صفو العلاقات ويبنى على مجالات التعاون المصرى السعودى فى كل المجالات.
رسائل مصرية وعربية
على أصعدة مختلفة بعثت مصر برسائل بعلم الوصول لمن يهمه الأمر
-1 مصر تستهدف لم الشمل العربى واحتواء أى خلافات بين الأشقاء وتدعو دائمًا للحلول السياسية القائمة على الحوار
-2 رفض قاطع من مصر و11 دولة عربية وإقليمية للتصريحات العبثية التى أدلى بها مايك هاكابى سفير أمريكا فى إسرائيل خلال لقاء تلفزيونى مع الإعلامى الأمريكى تاكر كارلسون، الذى أعرب فيه عن خرافات صهيونية حالمة بنهب أراضٍ عربية وإقامة دولة من النيل إلى الفرات، وهو ما أدانته مصر والسعودية والإمارات والأردن ودول عربية عدة، وهو ما يؤكد ضرورة اليقظة ونبذ الخلافات والتعاون لتعزيز القدرة الشاملة فى مواجهة المخاطر والتحديات.
-3 رسائل قوية حملها حفل الإفطار الذى نظمته القوات المسلحة بحضور قيادات وزارتى الدفاع والشرطة وعلى رأسهم الفريق أشرف زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى واللواء محمود توفيق وزير الداخلية، وما أكداه فى كلمتيهما من أن رجال الجيش والشرطة هما درعا الوطن والعيون الساهرة على أمنه، سيظلّان معًا يذودان عن مقدساته ويحفظان استقراره، وعمق التعاون بين المؤسستين للحفاظ على مقدرات الوطن، مؤسسات الدولة تتكامل لحماية أمنه واستقراره.
-4 دراما رمضان رسالة مفادها أن بناء الوعى هو أم المعارك، فهو ضمانة قوة الجبهة الداخلية، والأهم فى مجابهة مختلف التحديات داخليًا وخارجيًا، وجاء مسلسل رأس الأفعى حلقة فى سلسلة اشتباك مع الفكر الضال المتطرف، وتذكير المستهدفين بالتضليل وإحاطة الأجيال الجديدة علمًا بحقيقة ما ارتكبه تنظيم الإخوان الإرهابى من جرائم وما قدم من تضحيات لحماية أمن مصر وشعبها.
-5 مسلسل «صحاب الأرض» لا ينفصل عن سياق بناء الوعى، ودعم القوة الناعمة للقضية الفلسطينية وفضح جرائم الاحتلال التى هى بالأساس كانت على مرأى ومسمع العالم، لكن قد يكون من المهم تسليط الضوء على نقاط لا ينتبه إليها البعض فى ظل الجرائم الإرهابية التى قام بها المحتل بحق الأشقاء فى فلسطين.
حفظ الله مصر والأمتين العربية والإسلامية




