الجمعة 27 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

دفعنى إيمانى بصدق قول االله تعالى للإنسانية: «ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة: 3) إلى البحث عن السَّبيل الذى يُرضى الناس بما رضيه االله لهم دينًا؛ حتى يُظهره االله - برضاهم طوعًا - على الدِّين كلِّه؛ كما قال تعالى: «هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا» (الفتح: 28)، وكانت بشائر ذلك فى القرون الأولى من بعثة النبى الخاتم صلى االله عليه وسلم الذى رأى، كما قال تعالى: «الناس يدخلون فى دين االله أفواجا» (النصر: 2).

 

السبيل إلى إرضاء الناس بما ارتضاه الله لهم دِينًا:

إنَّ السبيل الذى سلكه الرَّسول صلى الله عليه وسلم فى إرضاء الناس بما ارتضاه الله لهم دينًا هو ما نصَّ عليه القرآن الكريم فى قوله تعالى: «قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين» (يوسف: 108)، والبصيرة هى كلُّ أدوات اتِّخاذ القرار الإيمانى من الفقه والإدراك والوعى والاطِّلاع والاستنارة بكلِّ ما يُمكن معرفته فى الشَّأن الدِّيني؛ ليتمكَّن كلُّ عاقل رشيد من حق اختيار دينه وفقهه استقلالًا بما يُرضيه أن يلقى الله عليه بطُمأنينة نفسه وراحة قلبه وانشراح صدره، بلا إكراه فى الدِّين، ولا إكراه فى فقه الدِّين الذى لا يخرج عن علاقة الإنسان بربِّه، دون المساس بحقوق سائر الآدميين، فتلك حقوق تَنْتظم بالقوانين الفطريَّة الإنسانية من التَّدافع والتَّراضى فى صورة دساتير أو قوانين أو لوائح أو عقود أو عهود أو أعراف أو تقاليد أو تصالحات بإرادة الأطراف المعنيَّة، وليس بادِّعاء مخلوق وكالته عن الله فى الأرض تجاه الآخر؛ فقد قال تعالى لخير خلقه: «ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل» (الأنعام: 107)، وقال تعالى عن حاكميَّة الفطرة الإنسانية فى حقوق العباد تجاه بعضهم: «فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون» (الروم: 30). 

 

تأهُّل الإسلام لاستحقاق رضاء النَّاس عنه:

 

بتلك الحريَّة الدينيَّة  والفقهيَّة المنضبطة بالفطرة الإنسانية المستقيمة يتأهَّل الإسلام لاستحقاق رضاء الناس عنه، كما يستحق الظُّهور على الدِّين كلِّه من أجل استيعابه اختلافات الناس دِينًا وفقهًا بدون مُغالبة، وبدون استغلال تلك الاختلافات الدِّينيَّة والفقهيَّة فى إشعال الحروب العبثيَّة، أو العداوة البغيضة، أو الفتن المهلكة، أو المُناظرات الصِّفريَّة.

 

المقصود من العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة: 

 

المقصود من «العدالة الدِّينية والفقهيَّة» هو ما يجمع النَّاس على كلمة سواء مع اختلاف أديانهم وفقههم، بما يعذر بعضهم بعضًا فى تَعَلُّقهم بالله تعالى، وهو ما يُعرف بسماحة الدِّين وسعته، كما أخرج عبدالرزاق الصَّنعانى فى «مُصنَّفه» مُرسلًا، عن محمد بن واسع ت123هـ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَحَبُّ الأديان إلى الله الحَنيفيَّة السَّمحة»، قيل: وما الحنيفيَّة السَّمحة؟ قال: «الإسلام الواسع».

 

السِّمة أو العلامة للحنيفيَّة السَّمحة:

 

«العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة» هى السِّمة أو العلامة للحنيفيَّة السَّمحة التى يُعرَفُ بها «الإسلام الواسع»؛ تكريمًا لكلِّ بنى آدم، وانتفاعًا بكلِّ فهم بشرى، وأخذًا بيد الإنسان إلى إدراك مسئوليته الدِّينيَّة والفقهيَّة المستقلَّة، وتحمُّل تلك المسئوليَّة على نفسه، واستخراج أحسن ما عنده فيها، كما قال تعالى: «ومَن تزكَّى فإنما يتزكَّى لنفسه» (فاطر: 18)، وكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُنَشِّىءُ جِيل الصَّحابة والصَّحابيَّات، فيقول لواثلة بن الأسقع فيما أخرجه أبو يَعْلى الموصلى فى «مسنده»: «لِتُفتِك نفسُك»، ويقول لوابصة بن مَعْبِد فيما أخرجه أحمد فى «مسنده»: «استفتِ قلبك استفتِ نفسك، البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلب واطمأنَّتْ إليه النَّفس، والإثمُ ما حاك فى النَّفس وتردَّد فى الصَّدر، وإنْ أفتاك النَّاسُ وأفتوك»، ويقول لأبى ثعلبة الخشنى فيما أخرجه أحمد: «البرُّ ما سكنتْ إليه النَّفس واطمأنَّ إليه القلبُ، والإثمُ ما لم تسكن إليه النَّفس ولم يطمئنُّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون»، ويقول لبريرة فيما أخرجه سعيد بن منصور فى «سننه» عن ابن عباس، أنَّه بعد أنْ حصلتْ بريرة على حُرِّيَّتها خُيِّرتْ بين أن تنفصل عن زوجها «مُغيث» - وكان عبدًا لآل المغيرة من بنى مخزوم - وبين أنْ تبقى معه، فاختارت الانفصال عنه، فكان يَتْبَعُها فى سكك المدينة، ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبَّاس: «ألا تَعْجبُ من شدَّة بُغْض بريرة لزوجها، ومن شدَّة حُبِّ زوجها لها»؟ فَكَلَّم له العباسُ النبى صلى الله عليه وسلم أنْ يَطْلبَ إليها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زوجُكِ وأبو ولدك»، فقالتْ: أتأمُرُنى به يا رسول الله؟ قال: «إنَّما أنا شافع»، فقالت: فإنْ كنتَ شافعًا فلا حاجة لى فيه، قال ابن عباس: فاختارت نفسَها.

 

هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُظْهر دِين الله للناس على الاستقلاليَّة؛ حتَّى تتحقَّق العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة بين الناس، كما قال تعالى: «وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه» (الإسراء: 13)، ولذلك قال أبو إسحاق الشَّاطبى ت790هـ-1388م فى كتابه «الموافقات»: «كلُّ أحد فقيه نفسه»، وقال أبو الحسن بن على بن بَنْدار المعروف بالصَّيْرفى النيسابورى ت359هـ-969م لابنه أبى القاسم فيما أخرجه البيهقى فى «شُعَب الإيمان»: «يا بُنيَّ، إيَّاك والخلاف على الخَلْق، فمن رضى الله به عبدًا فارضَ به أخًا».

 

السبيل إلى رضاء النَّاس على دِين الإسلام:

 

إن هذه «العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة» هى السَّبيل إلى رضاء النَّاس على «دِين الإسلام» الذى ارتضاه الله لهم دينًا، أو هى السَّبيل الذى يحول دون احتجاج أحدهم عليه بأيَّة حجَّة بعد أنْ فوَّض كلَّ مُكلَّف - بلغ سنَّ الرُّشد - فى اختيار نوع إيمانه وفقه دِينه، بما يَطْمئنُّ إليه قلبه الذى سيحاججُ بسلامته عن صاحبه يوم لقاء الله، دون سائر الخلق، فكلُّ إنسان له بصمته الدِّينيَّة التى تُميِّزه عن غيره، ورحمة الله تسع تعدُّديَّاتِ خلقه واختلافاتهم.

 

أهميَّة العدالة الدِّينيَّة والفقهيَّة:

 

إن «العدالة الدِّينيَّة والفقهية» - فى حياة النَّاس - لا تقلُّ أهميةً عن «العدالة الاجتماعيَّة» التى يُطالب بها الإصلاحيُّون، بل أشد؛ لأن «العدالة الاجتماعيَّة» تقوم على رفع مستوى الفقراء إلى الأفضل على نفقة الأغنياء، بخلاف «العدالة الدينيَّة والفقهية» فإنها تقوم على إنقاذ المجتمع الإنسانى بأسره من سطوة العبوديَّة للمُفتئتين على الله تعالى بأكذوبة علمهم بمراده النفسى، أو أنَّهم يُوقِّعون نيابة عن الله فى توجيه الناس فعلًا للشيء أو تركًا له، فتاجروا بدينه، وجنَّدوا الكتائب الإرهابية لتصفية مُخالفيهم أو اغتيالهم معنويًّا، وتترَّسوا بجنود من الحواريين المفتئتين على خلق الله؛ لامتلاك زمام مَن استطاعوا من الناس، وافتعلوا المواجهات الدِّينيَّة والفقهيَّة بين الإسلام بفقههم المحدود له من جهة - وليس بسعة فقهه المُتعدِّد - وبين غيره من دِينٍ أو فقه، باسم الصَّواب والخطأ عند الله، وكأنَّهم يعلمون الغيب، فوصفوا اختيارهم الفقهى بالصَّواب المُطلق وأنَّهم ومَنْ معهم هم الفرقة الناجية يوم القيامة، ووصفوا فقه غيرهم بالخطأ المُطلق وأنَّ هؤلاء الغير ومَنْ معهم هم الفرق الهالكة يوم القيامة؛ وذلك لتمكين العداوة والصِّراع بين أهل الأديان وبين بعضهم، وكذلك من أجل اختلاق ذريعة فى إقامة زعامتهم الدِّينيَّة - التى لا محلَّ لها من الإسلام - سعيًا إلى الوجاهة فى الدُّنيا مع إساغة جمع الأموال لأطماعهم المستدامة؛ فقد وضعوا الإسلام - بألسنتهم الحداد - فى خصومة وعداوة أزليَّة مع مُخالفيهم من أهل الفقه المغاير، والأديان الأخرى، والفلسفات البشرية، والنَّظريات الفكرية، والفنون الإنسانية، والعلوم الكونية والطبيعية، وغيرها، حتى الإلحاد، مع أن الإسلام مستوعب لكل تلك الاختلافات بعدالته الدينيَّة والفقهية، التى تجعل كلَّ إنسان مسئولًا عن دين نفسه بسلامة قلبه، ومسئولًا عن سلامة غيره من لسانه ويده، دون أن يكون فتنة بين الناس، كما أخرج أحمد عن أبى هريرة وعن عبدالله بن عمرو بنالعاص وعن فضالة بن عبيد، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم مَنْ سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن مَنْ أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». 

 

شبهة الفوضى الدِّينيَّة والفقهيَّة:

 

لا وجه لزعم شبهة الفوضى الدينية أو الفقهية بتلك الحرية؛ لأنها حريَّة الخلق مع خالقهم، وهو أعلم بهم من أنفسهم، وليست حرية الإنسان مع غيره التى تحتاج إلى توافق إنسانى فى تنظيمها، والأصل فيها أنها تقف عند حدود حريَّات الآخرين.

والذى يضمنُ منعَ تعارض حريَّات النَّاس الدينيَّة والفقهيَّة هو توحيدُ قِبلتها إلى الله تعالى، صاحب الدِّين كلَّه، بحيثُ يكون دِينُ كلِّ إنسان وفتواه على نفسه، لا يَضُرُّه من ضلَّ عن هدايته، ولا يزايد بها على غيره، ولا يفتئتُ أحدٌ على أحدٍ، ولا يَضرُّ أحدٌ أحدًا باسم الدِّين، فإن فعل فهو المعتدى الأثيم المُستحق للمقاومة، ولا ينفعه التَّذرُّع بدِين؛ لأنه بعدوانه على غيره قد جعل قبلة دِينه إلى هذا الغير، وليس إلى الله تعالى، فصار معتديًا وليس مُتديِّنًا، وقد قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون» (المائدة: 105).

تحذير الرسول للمفتئتين على الناس:

لقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك المفتئتين على الناس باسم صواب دينهم وفقهه وأنَّهم النَّاجون عند الله دون غيرهم، حذَّر هؤلاء المفتئتين من خسارة دينهم يوم القيامة؛ حتَّى يتواضع أهل الأديان وفقهها بعضهم لبعض فى الدُّنيا، وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود عن أبى هريرة، أنَّه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «كان فى بنى إسرائيل رجُلان، كان أحدهما مُجْتهدًا فى العبادة، وكان الآخر مُسْرفًا، فكانا مُتآخيين، وكان المُجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا، أقْصِر، فيقول: خَلِّنى وربِّى، أبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟ إلى أنْ رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، واللهِ لا يغفرُ الله لك، أو لا يُدْخلك الله الجنة أبدًا، فبعث الله إليهما مَلَكًا، فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال الله للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتى، وقال للآخر: أكُنتَ بى عالمًا، أكنتَ على ما فى يدى قادرًا، اذهبوا به إلى النَّار».

 

إمكان التَّعايُش مع المُلحد المُنكفئ، وعدم إمكان التعايش مع أهل الفتن ولو باسم الدِّين:

 

إنَّ المُجتمع يتعايش مع المُلحِد المُنكفئ على إلحاده، ولكنَّه يموج بركانًا من النَّار بمُلحِد صانع للفتن يقوم بتشكيك المؤمنين فى إيمانهم، كما أن المُجتمع يتعايش مع مُختلفى الأديان ومُتعدِّدى الأوجه الفقهيَّة المسالمين غير المُتصارعين، ولكنه يصير حربًا بين أهله عندما يتجاوز أحد المؤمنين حدود إيمانه فيشتغل بتشكيك مُخالفيه من أهل الإيمان بأنفسهم، فتقوم الفتنة بينهم. 

 

أليس فى القرآن الكريم ما ينصُّ على تلك الحريَّة الدِّينيَّة والفقهيَّة؟ ومن ذلك قوله تعالى: «لكم دينكم ولى دين» (الكافرون: 6)، وقوله تعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فيؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف: 29)، وقوله تعالى: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم» (سبأ: 24-26)، وقوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس: 99)، وقوله تعالى:

 

«إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين» (القصص: 56)، وقوله تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» (التوبة: 122). 

 

وإذا صحَّتْ تلك السِّعة والسَّماحة مع غير المسلم فى اختيار دينه وفقهه، فلأن تصحَّ مع المسلم المُخالف فى فقهه أولى؛ ولذلك تعدَّدت الأحكام الفقهيَّة العمليَّة، والأحكام الفكريَّة الاعتقاديَّة عند الصحابة والتابعين والفقهاء على مرِّ العصور؛ لإيمانهم بأن المُكلَّف سيِّدُ قراره بحق الإسلام فى «العدالة الدينيَّة والفقهيَّة»، التى لا يُنكرها إلَّا جاحدٌ مُكابر، أو معتدٍ ظالم.

 

 أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بجامعة الأزهر

 

تم نسخ الرابط