فى موسم تتنافس فيه البرامج على لفت الانتباه لا على ملامسة الروح، يجيء برنامج «كلم ربنا» ليعيد تعريف العلاقة بين الكلمة والقلب، وبين البشر والسماء. وللعام السادس على التوالى، يمضى هذا البرنامج، الذى يقدمه الكاتب الصحفى أحمد الخطيب، فى تثبيت مكانه، لا فى خريطة البرامج الإذاعية فحسب، بل فى وجدان المستمع، حتى صار طقسا رمضانيا خاصا، يُنتظر كما تُنتظر لحظة السكينة فى زحام الأيام.
ما يقدمه أحمد الخطيب هنا لا يمكن اختزاله فى وصف تقليدي؛ فهو ليس خطابا يُلقى، ولا مادة تُبث، بل حالة تُعاش. ليس وعظا مباشرا ، ولا نصائح جاهزة، بل مرافقة هادئة للروح وهى تحاول أن تستعيد طريقها وسط ضجيج الحياة. بصوته الذى لا يدعى ، وبحضوره الذى لا يتكلف، يأخذنا مع ضيوفه فى رحلة لا تُقاس بالدقائق، بل بعمق الأثر؛ رحلة تبدأ من الأرض المثقلة بالهموم، وتمتد نحو سماء مفتوحة على الرجاء.
فى «كلم ربنا»، لا يشعر المستمع أنه يتلقى درسا، بل كأنه يجلس إلى الضيف كأنه صديق قديم، يعرف كيف ينصت أكثر مما يتكلم، وكيف يفتح أبواب القلب دون أن يطرقها بعنف. هنا، لا يُطلب منك أن تكون فصيحًا، ولا أن تصوغ دعاء ببلاغة العارفين، بل يكفى أن تكون صادقًا. أن تتكلم كما أنت، بكل ما فيك من ضعف، ومن أمل، ومن ارتباك، لأن من تُناجيه يعلم قبل أن تقول، ويعطى قبل أن تسأل، ويرحم حتى حين تعجز عن الرجاء.
قصص الضيوف تبدو، فى ظاهرها، حكايات بشر عاديين، لكنها فى حقيقتها سطور من كتاب الرحمة. كل حكاية تحمل سرا خفيا، وكل تجربة تختبئ خلفها يد الله الحاضرة فى كل التفاصيل. دعاء تأخر، فظنه صاحبه نسيانًا، فإذا به إعداد لفرح أكبر. وانكسار ظنه نهاية الطريق، فإذا به بداية لطف لا يُدرك إلا بعد حين. واستجابة جاءت فى توقيت لا يشبه توقعاتنا، لكنها تشبه حكمة السماء.
وهنا تكمن فرادة هذا البرنامج؛ أنه لا يكتفى بسرد الحكايات، بل يكشف ما وراءها. لا يروى الألم فقط، بل يُضيء المعنى الكامن فيه. لا يقف عند حدود التجربة، بل يفتح نافذة على ما بعدها، حيث يتحول الوجع إلى يقين، والانتظار إلى عبادة، والابتهال إلى دعاء مكتمل.
الفكرة، فى بساطتها، تكاد تبدو بديهية.أن تُكلم الله. لكن كم نحتاج إلى أن نتعلم هذه البديهة من جديد! كم نحتاج أن نستعيد تلك اللحظة التى نقف فيها بلا حواجز، بلا وسطاء، بلا خوف من ضعفنا، فنقول كل شيء، دون ترتيب، دون تنقيح، دون خجل. لأن العلاقة هنا ليست مع بشر يُحاسب على الكلمة، بل مع إله يعلم السر وأخفى، ويحب أن يسمع عبده، حتى لو كان صوته مكسورًا.
فى زحام الحياة، تتراكم التفاصيل حتى تثقل الروح، ويطول الانتظار حتى نظن أن الأبواب قد أُغلقت. تمضى الأيام، وتزداد المسافات، حتى نشعر أننا وحدنا فى مواجهة العالم. لكن «كلم ربنا» يأتى ليهمس فى أذن القلب.لست وحدك. الملجأ هنا قريب. أقرب مما تتخيل. فقط اقترب، ولو بخطوة، وتكلم، ولو همسا، وستجد من يسمعك، بل من كان يسمعك قبل أن تبدأ.
وهكذا، يتحول الميكروفون فى هذا البرنامج إلى محراب، والصوت إلى دعاء، والحكاية إلى يقين. لا يعود الحديث مجرد كلمات تُقال، بل يصبح صلاة تمتد بين الأرض والسماء، لا يقطعها شيء، ولا يحجبها شيء، إلا غفلة القلب.
ولعل أعظم ما يقدمه «كلم ربنا» أنه يعيد الإنسان إلى ذاته الأولى، إلى تلك المسافة القصيرة جدًا بينه وبين الله. تلك المسافة التى لا تحتاج إلى سفر، ولا إلى جهد، بل إلى صدق فقط. أن تقف، بكل ما فيك، وتقول: يا رب.
فتجد بابا مفتوحا لا يغلق أبدا.
نقلًأ عن مجلة روزاليوسف



