قبل زمن الانفتاح والسوشيال ميديا، كان مجتمعنا المصرى يضرب به المثل فى التواضع والرحمة والأخلاق والحكمة وسماحة النفس، وظللنا كمصريين نتفاخر بهذه القيم والجدعنة، حتى حل علينا هذا الزمن الموبوء الذى نتج عنه الوضاعة والمهانة وغياب الرحمة والتسامح، وتنامى الشعور بالاستعلاء والقوة التى تستخدم فى غير موضعها لإذلال البسطاء وإهانتهم، وهذا تحديدًا ما يجعلنا نطرح سؤالاً مقلقًا: هل تراجعت قيم مجتمعنا الأصيلة التى كانت تتسامح مع من يختلف معنا أو مع غيرنا، وتوقر الكبير وتحتضن الصغير وتوفر العدالة والمساواة بين الجميع؟
السطور السابقة سببها حادث اعتداء رجل (أموال) أقصد أعمال على فرد أمن فى أحد المنتجعات الشهيرة، الذى أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار، ليس بسبب الفعل ذاته، بل لما يحمله من دلالات رمزية.
حين يستخدم صاحب نفوذ أو سلطة مكانته للاعتداء على شخص يؤدى عمله، فإن الأمر يتجاوز كونه مشاجرة فردية، ليصبح مؤشرًا على خلل أعمق فى منظومة القيم؛ خلل يمسّ احترام القانون، وتقدير العمل، والإحساس بالمساواة بين الناس، وينمى نزعة التعالى التى تملكت البعض ممن يظنون بأنفسهم أنهم قادرون بفضل المال أو النفوذ، أو حتى السلطة النيل من المستضعفين والبسطاء والحط من كرامتهم. أمثال هؤلاء وللأسف هم من أصبحوا واجهة مجتمعنا، لندخل جميعًا وبغير إرادة الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصرى، فى مرحلة انقلاب مجتمعى لم نشهده من قبل. بعد غياب ثقافة الحوار وضبط النفس، واحترام الإنسان أيًا كانت ديانته أو موقعه. تحول قسَّم المصريين بين غنى وفقير، وصاحب نفوذ ومستضعف، ذهبت معه قيم العدل والرحمة إلى غير رجعة. وحل محلها منطق القوة وعدم احترام القانون، لذا لم يعد من السهل الآن الحديث عن قيم التسامح والرحمة فى المجتمع المصرى بنفس الثقة التى كنا نتحدث بها قديمًا. فالمشهد العام يكشف عن تصدعات واضحة فى منظومة الأخلاق، وعن تآكل تدريجى لقيم كانت يومًا ما عنوانًا للهوية المصرية. والحادثة الأخيرة المتمثلة فى اعتداء رجل أعمال على فرد أمن ليست مجرد واقعة عابرة، بل جرس إنذار مدو يكشف حجم الانحدار الذى وصلنا إليه. ويساهم فى خلق بيئة أكثر توترًا وأقل تسامحًا، تهدد المجتمع ككل. فحين يمد صاحب نفوذ يده على عامل بسيط ويهينه أثناء تأدية عمله. يفقد المجتمع حساسيته ويغامر بفقدان تماسكه الداخلى، لأن كرامة الناس لا تتجزأ، ويصبح التطبيع مع مشاهد الاستقواء والإهانة والضرب، لا يعد سوى تمهيد لمزيد من العنف والاحتقان. حال عدم حدوث رد فعل حاسم، شرعيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، حينها ستكون الرسالة التى ستصل إلى الجميع هى أن النفوذ يحمى صاحبه، وأن العدالة الانتقائية هى وحدها من سترسخ معنى الكرامة والمساواة أمام القانون، ورغم ما فى هذا من مفهوم مغلوط وغير مرحب به ونحذر منه إذا ترسخ فى نفوس الناس، لكن سيظل الأخطر من هذا الاعتداء (الذى قد يبرره البعض أو يخفف من وطأته أو يتعامل معه كأنه انفعال لحظى)، أن الأخذ بالقانون ووضعه فى الحسبان بات خيارًا لدى هذا المعتدى أو ذاك، يمكن الأخذ به أو تغافله حسبما يريد، مادام اعتقد أن القانون بعيد عنه وعن أمثاله من أصحاب النفوذ، لذلك نطالب بتفعيله، بل تشديد عقوبته لتكون رادعًا لكل من يظن أنه فوق القانون بماله أو نفوذه أو سلطته. حتى يعود لمجتمعنا أمنه وسلامه، من جراء سلوكيات مستهجنة شرعًا وقانونًا يرتكبها بعض المرضى، الذين تخيلوا أن المال أو السلطة تمنحهم الحق فى تجاوز الغير وإهانته.
لهذا ولغيره كثير لم تعد استعادة قيم التسامح والرحمة ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية لترسيخ معنى الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون، حتى لا يتواجد بيننا محدثو النعمة الذين طفوا على سطح مجتمعنا فى غفلة من الزمن، لأن المجتمع الذى يسمح بإهانة أضعف أفراده، يفقد بالتدريج احترامه لنفسه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



