السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في لحظة إقليمية فارقة، تتصاعد فيها التوترات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتتعرض بعض دول الخليج العربي لتهديدات مباشرة وغير مباشرة، يبرز سؤال جوهري.. كيف تحمي مصر أمنها القومي وسط إقليم "مُشتعل"، يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات؟

الإجابة لا تكمن فقط في قوة السلاح، بل في فلسفة دولة تُدرك أن الأمن القومي مفهوم شامل، يبدأ من الداخل المتماسك، ويمتد إلى حدود مؤمنة، ويتعزز بدبلوماسية رشيدة تقرأ المشهد قبل أن ينفجر.

 

اتبعت مصر خلال السنوات الماضية وتحديداً منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم في مصر، سياسة واضحة المعالم تقوم على عدم الانخراط في صراعات بالوكالة، ورفض الاصطفاف الأعمى في محاور متصارعة.

 

في الوقت الذي شهد فيه الإقليم استقطابًا حادًا بين واشنطن وطهران، حافظت القاهرة على مسافة متوازنة، تؤكد فيها رفضها لأي تهديد لأمن الخليج، وفي الوقت ذاته ترفض توسيع دائرة الحرب أو تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات.

 

هذا الاتزان ليس حيادًا سلبيًا، بل هو إدراك عميق لطبيعة التوازنات؛ فمصر تعلم أن أي اشتعال واسع في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة، وحركة الملاحة، وأسعار الغذاء، وبالتالي على الداخل المصري ذاته.

 

لم تتغير المعادلة الاستراتيجية التي تؤكد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري؛ هذه ليست عبارة دبلوماسية، بل عقيدة سياسية وعسكرية ممتدة منذ عقود، فالقاهرة تنظر إلى استقرار دول مجلس التعاون الخليجي باعتباره ركيزة للاستقرار العربي الأوسع.

 

وفي ظل التهديدات التي طالت منشآت حيوية في بعض دول الخليج خلال السنوات الماضية، عززت مصر من تعاونها العسكري والأمني، سواء عبر المناورات المشتركة، أو التنسيق الاستخباراتي، أو تبادل الخبرات في مجالات الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية.

 

انتهجت الدولة المصرية في السنوات الأخيرة خطة تطوير شاملة لقدراتها العسكرية، تنوعت فيها مصادر التسليح، وتوسعت فيها في بناء قواعد استراتيجية على الاتجاهات كافة.. شمالًا، وجنوبًا، وشرقًا، وغربًا.

 

الرسالة واضحة هنا.. وهي أن مصر لا تسعى إلى الحرب، لكنها تمتلك القدرة على الردع؛ وهي قادرة على حماية حدودها الممتدة، وتأمين مجالها البحري في البحرين المتوسط والأحمر، وضمان سلامة الممرات الحيوية وعلى رأسها قناة السويس.

 

في ظل أي توترات إقليمية قد تمس الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر، تدرك القاهرة أهمية تأمين خطوط التجارة العالمية التي تمر عبر أراضيها، وهو ما يمنحها ثقلًا استراتيجيًا إضافيًا.

 

إن التحرك المصري في الأزمات الإقليمية لا يكون عبر التصريحات فقط، بل من خلال قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.

القاهرة تدرك أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة لا يخدم استقرار المنطقة، لذلك تؤكد باستمرار أهمية خفض التوتر، وتغليب لغة الحوار، ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

 

هذه الرؤية الحكيمة تقوم على مبدأ أساسي: حماية الدولة الوطنية؛ فمصر عانت طويلًا من آثار انهيار الدول في الإقليم، سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن، وتعلم أن الفوضى لا تبقى داخل حدود جغرافية ضيقة.

 

الأمن القومي لا يُحمى فقط بالسلاح والدبلوماسية، بل بتماسك الجبهة الداخلية؛ وهنا تبرز أولوية الدولة المصرية في الحفاظ على الاستقرار، ومواصلة مسار التنمية رغم التحديات الاقتصادية العالمية.

 

فالدولة التي تبني بنية تحتية حديثة، وتوسع شبكات الحماية الاجتماعية، وتستثمر في الطاقة والغذاء، تقلل من فرص تأثرها بالضغوط الخارجية، وفي عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، يصبح الاكتفاء النسبي في الغذاء والطاقة عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن القومي.

 

التوترات الحالية بين إيران والولايات المتحدة ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط. مصر تتعامل مع هذه المعادلة من منظور الدولة التي تمتلك خبرة تاريخية طويلة في إدارة التوازنات الكبرى؛ فهي تحافظ على شراكة استراتيجية مع واشنطن، وفي الوقت ذاته تبقي علاقات مفتوحة مع قوى إقليمية مختلفة، بما يضمن لها هامش حركة واسعًا، ويمنع حصرها في زاوية ضيقة.

 

في إقليم تتسارع فيه الأحداث، تبدو مصر حريصة على إرسال رسالة مزدوجة وهي الدعم الكامل لاستقرار الخليج ورفض أي تهديد لأمنه، وفي الوقت ذاته التمسك بخيار التهدئة ومنع توسيع رقعة الصراع.

 

هذه المقاربة المتوازنة تعكس إدراكًا عميقًا بأن القوة الحقيقية ليست في رفع سقف الخطاب، بل في القدرة على حماية المصالح الوطنية دون الانجرار إلى معارك لا تخدم إلا من يشعلها.

 

وسط مشهد إقليمي مُلبد بالغيوم، تثبت مصر أنها دولة تعرف وزنها، وتدرك حدود مسؤولياتها، وتتحرك وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى؛ أمنها القومي ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة من الردع، والدبلوماسية، والتنمية، والوعي بحجم المخاطر.

 

وفي زمن الاضطراب، تبقى الحكمة المصرية هي خط الدفاع الأول.

تم نسخ الرابط