rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يرى أهل اللُّغة العربيَّة أن «إسلام الوجه لله» تعبير عن الإخلاص والتَّجرُّد فى التَّوجُّه للحقِّ عند الاختيار، وهذا هو جوهر الإسلام الذى ارتضاه الله للنَّاس دِينًا.  

وقد تظاهرت النُّصوص القرآنية والسُّنَّة النَّبويَّة المتوارثة والمرويَّات الحديثيَّة على قيام «دِين الإسلام» على مبدأ «إسلام الوجه لله، أو إلى الله»، ومن ذلك قوله تعالى: «بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون» (البقرة: 112)، وقوله تعالى: «ومن أحسن دِينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا» (النساء: 125)، وقوله تعالى: «ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور» (لقمان: 22)، وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، نام على شِقِّه الأيمن ثمَّ قال: «اللَّهم أسلمتُ نفسى إليك، ووجَّهتُ وجهى إليك، وفوَّضتُ أمرى إليك، وألجأتُ ظهرى إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلَّا إليك. آمنتُ بكتابك الذى أنزلتَ، وبنبيِّك الذى أرسلتَ»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قالهُنَّ ثمَّ مات تحت ليلته مات على الفطرة».

وبذلك يكون إسلام الوجه لله باختيار المعتقد عن تجرُّد للحقِّ المُطلق الذى وَقَرَ فى قلب الإنسان، فليس هذا الحق مُطلقًا على مستوى الوجود كلِّه الذى هو من اختصاص الله سبحانه، وإنَّما يكون هذا الحق مُطلقًا على مستوى أو نطاق إدراك كلِّ إنسان فى قلبه وعقله لنفسه بفطرته التى فطر الله الناس عليها، وإن خالف غيره؛ لقوله تعالى: «ولا تكسب كل نفس إلَّا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (الأنعام: 164). 

ويرجع الحكم بإسلام الإنسان وجهه لله تعالى فى مُعتقده وسلوكه إلى معيار عادل يتساوى فيه النَّاس جميعًا، وهو الحكم على النَّفس بالصِّدق والأمانة أو بالكذب والخيانة، مع عدم ظلم الآخرين؛ كما قال تعالى: «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» (الإسراء: 14)، وقال تعالى: «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون» (الأنعام: 82).

فكلُّ مَن يعلم من نفسه صدق توجُّهها إلى الله تعالى فى معتقده وسلوكه، دون أن يظلم أحدًا فى شيء من حقوقه الآدميَّة، فليطمئن أنه من زمرة الذين أسلموا وجوههم لله، ولا عليه بعد ذلك أن يرى نفسه مخالفًا لغيره فى صورة تديُّنه، أو أن يرى غيره مخالفًا له، وإن كال له هذا الغير تهم الشِّرك والعياذ بالله؛ إذ كيف يكون الإنسان مشركًا بالله - والعياذ بالله - مع أنه قد أسلم وجهه لله باعتقاد ما أدركه عقله، وبلغ به علمه، وأمكنه المُحاجَجة به بين يدى الله الأعلم بالنَّوايا.

إنَّ هذه الدِّلالة العادلة لحقيقة «إسلام الوجه لله» هى ما تتَّفق مع الفطرة الإنسانيَّة المستقيمة، وما تُرضى النَّاس عمَّا ارتضاه الله لهم دِينًا يجعل لكلِّ أحدٍ فيه مثل ما للآخر.

ظهور مصطلح إسلام الوجه لله

ظهر مصطلح «إسلام الوجه لله» على لسان خليل الله «إبراهيم»، وهو الذى جعله عنوانًا للإسلام وطريقًا للمسلمين، وذلك عندما خاطبه الله بقوله: «أسلم قال أسلمت لرب العالمين. ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون» (البقرة: 131-132).

وكانت البداية عندما استقلَّ سيِّدنا «إبراهيم» بقرار نفسه المُعتقدى عن أبيه وقومه، وذلك بتحكيم فطرته التى أنجته من الشِّرك، فأعلن قوله الخالد: «إنى وجَّهتُ وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين» (الأنعام: 79)، ولا يكون الإنسان حنيفًا - يعنى مستقيما غير مائل - إلَّا باستقلاله الذَّاتى الحُرّ فى مُعتقده الذى يُحاجج عنه ببراءة قلبه وسلامته أمام الله تعالى. 

وفى ذلك يقول القرآن الكريم: «وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى بريء مما تشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفأ وما أنا من المشركين. وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شيء علما أفلا تتذكرون. وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون» (الأنعام: 75-82).

 

استحقاق صفة «إسلام الوجه لله»

 

اختلف أهل الفقه فى استحقاق الإنسان صفة «إسلام الوجه لله» عندما يختار مُعتقده - دِينًا وفقهًا - بما يَقَرُّ فى قلبه وتطمئنُّ إليه نفسه باستقلال وتَجَرُّد عن وعى وبصيرة وإنْ خالف مَنْ حوله، أم عندما يَسْتسلم لأوَّل مُبلِّغ له عن دعوة الرسول الخاتم - وفقهها - وإنْ لم يَقَر ذلك الأمرُ أو بعضه فى قلبه؟ 

وبصيغة أخرى: ماذا لو اعتقد إنسانٌ معتقدًا يراه الأليق بمقام الله عنده بسلامة قلبه وبطمأنينة نفسه وببراءة نيَّته وبإخلاص سريرته وفق فطرته واستيعابه العقلى والبدنى من كلِّ ما بلغه وتعلَّمه - دون ضرر أو إضرار بآدمى - فهل يكون ممن أسلم وجهه لله؟ أم أنَّ «إسلام الوجه لله» لا يكون إلَّا لمن اتَّبع ما بلغه عن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم خاصَّة بفقه أوَّل مَنْ أبلغه، ولو لم يستوعب قلبُه قبولًا هذا الذى بلغه أو بعضه؟ اتِّجاهان للفقهاء:

 

بلوغ الدعوة

 

الاتِّجاه الفقهى الأوَّل يرى أنَّ إسلام الوجه لله هو الإذعان للدَّعوة الخاتمة بمجرَّد بلوغها من أوَّل مَنْ يُبلغها، ومَنْ لم تبلغه تلك الدَّعوة فهو على الحنيفيَّة بفطرته.

وقد ذهب إلى هذا الاتِّجاه أكثرُ مَن عَرَّفُوا أنفسهم باسم «أهل السُّنَّة والجماعة» - من «الأشاعرة» أتباع أبى الحسن الأشعرى ت324هـ، ومن قبلهم أصحاب «حاكميَّة الحديث النبوى» أتباع أحمد بن حنبل ت241هـ الذين خرجت منهم «الماتريديَّة» أتباع أبى منصور الماتريدى ت333هـ، وانتصر لهم «أحمد ابن تيمية ت728هـ» - فهم يرون أنَّ «إسلام الوجه لله» لا يتَّصفُ به سوى مَنْ استسلم إيمانًا، وأذعن تصديقًا لما بلغه عن دعوة النبى الخاتم صلى الله عليه وسلم بمشتملاتها عند عامَّة علماء هذا الاتِّجاه؛ حتَّى وإن لم يتلقَّاه قلبُ مَنْ بلغته تلك الدَّعوة - أو بعضها - بالقبول، فالعبرة ببلوغ الدَّعوة الخاتمة بمشتملاتها، وليست العبرة بالاستيعاب والقَبُول.

أمَّا مَنْ لم تبلغه الدَّعوة النبويَّة الخاتمة فإنَّه فى حُكْم أهل الفَتْرَة التى تكون بين المراحل الزَّمنيَّة للشَّرائع السَّماويَّة، وهى فترات خِلِوِّ الزَّمن من بعثة نبى، وكلُّ مَنْ كان من أهل الفَتْرَة محظوظ بعدم التَّكليف الدِّينى، فلا يوصف بكُفْر أو إيمان، وهو من أهل الحنيفيَّة الذين يُبعثُون يوم القيامة بنيَّاتهم، بحكم الفطرة التى فطر الله الناس عليها.

واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (الإسراء: 15)، وقوله تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» (النساء: 65)، وقوله تعالى: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله وسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله وسوله فقد ضل ضلالا مبينا» (الأحزاب: 36)، وما أخرجه مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمَّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ يموت، ولم يؤمن بالذى أُرْسِلتُ به إلَّا كان من أصحاب النَّار»، وأخرج الشيخان، عن عائشة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يغزو جيشٌ الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخْسف بأوَّلهم وآخرهم»، فقالتْ عائشة: كيف يُخْسف بأوَّلهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومَنْ ليس منهم؟ قال: «يُبعثون على نيَّاتهم».

وقد جرى على هذا النهج فى تعريف «إسلام الوجه لله» علماء المذاهب الشِّيعية باختلاف فرقهم، ولكنَّهم أضافوا فى مشتملات الدَّعوة الخاتمة الإيمان - حتمًا - بإمامة وحاكميَّة الإمام المختار عند كلِّ فرقة منهم، وما يتعلَّق به من أحكام خاصَّة كالعصمة والغَيْبة والرَّجعة، كما اشترطوا فيما يصحُّ ثبوته عن النبى صلى الله عليه وسلم - من قرآن وشعائر وأقوال - أن يرويه أئمَّتهم وبتفسيراتهم دون ما يرويه أئمة «أهل السُّنَّة» أو أئمَّة مَن يخالفونهم فى المعتقد الشِّيعى.

الإنصاف للمنطق اللغوى

 

الاتِّجاه الفقهى الثَّانى يرى أنَّ إسلام الوجه لله هو الإذعان لما يَقَرُّ فى القلب من معتقد وفقه نتاج مبلغ علم كلِّ عاقل رشيد استقلالًا عن غيره بحكم الحنيفيَّة التى قامت عليها الفطرة التى فطر الله الناس عليها.

وهذا الاتِّجاه قائم على الإنصاف للمنطق اللغوى فى «إسلام الوجه لله» - الذى يعنى الإخلاص مع النَّفس والتَّجرُّد فى التَّوجه للأمر بما يستوعبه الإنسان ويقرُّ فى قلبه عن وعيٍ وبصيرة واختيار حرٍّ بحكم الحنيفيَّة التى فطر الله الناس عليها، وليس على وجه الاستسلام بمُجرَّد أنْ يبلغه الأمر وإنْ لم يرتضيه قلبه؛ حتَّى لا يكون مُشركًا أو منافقًا، وحتَّى يَظْهَر «الإسلام» الذى ارتضاه الله للنَّاس دِينًا على وجه يرضيهم عنه فى عدله بينهم.

وهذا ما ذهب إليه كثيرٌ من علماء «أهل السُنَّة والجماعة»، واختاره الأستاذ «محمد رشيد رضا» ت1354هـ-1935م فى تفسيره «المنار».

ويدلُّ لذلك عموم قوله تعالى: «قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين» (يوسف: 108)، وقوله تعالى: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» (البقرة: 286)، وقوله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» (التغابن: 16)، وقوله تعالى: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» (الشعراء: 88-89)، وقوله تعالى: «وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه» (الإسراء: 13)، وقوله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون» (النحل: 44)، وقوله تعالى:

«وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون» (يوسف: 106). وأخرج عبدالملك بن بشْران البغدادى ت430هـ فى «الأمالى»، عن أنس بن مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الإيمان بالتَّمنى ولا بالتَّحلِّى، لكن ما وَقَر فى القلب وصدَّقه الفعل، العلْمُ علمان: عِلْمٌ باللسان، وعِلْمٌ بالقلب، فعلم القلب: العلمُ النَّافع، وعلمُ اللسان: حُجَّةُ الله على بنى آدم»، وأخرج الترمذى والبزار عن حذيفة بن اليمان، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إنْ أحْسَن النَّاس أحْسَنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إنْ أحْسَن النَّاس أنْ تُحْسِنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا».

 

 أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بجامعة الأزهر

تم نسخ الرابط