ذاكرة الشاشة الفضية.. كيف أرّخت السينما المصرية لطقوس شهر رمضان؟ «ح٤»
لم تكن السينما المصرية يوماً مجرد أداة للترفيه، بل كانت مرآةً عاكسةً للواقع المصري بكل تفاصيله الدينية والاجتماعية.
ويأتي شهر رمضان المبارك في مقدمة المناسبات التي احتفت بها الشاشة الفضية، حيث وثقت الأفلام السينمائية تطور العادات والتقاليد الرمضانية عبر عقود من الزمن.
من "العزيمة" إلى "الفانوس".. توثيق للبهجة الشعبية
بدأت السينما برصد المظاهر التراثية مبكراً، ففي عام 1939، قدم فيلم "العزيمة" صورة واقعية للحارة المصرية، مبرزاً دور "المسحراتي" الذي كان يجمع الجيران فوق أسطح المنازل في ترقب لنداء السحور.
ولم تغفل السينما الجانب الخيالي المرتبط ببهجة الأطفال، كما في فيلم "الفانوس السحري" — إنتاج عام (1960)، الذي ربط بين ليلة رمضان وقصص ألف ليلة وليلة، من خلال "عفريت الفانوس".
رمضان في قلب الأحداث السياسية والوطنية
استخدم المخرجون أجواء الشهر الكريم لتعميق البعد الدرامي في الأفلام السياسية، ففي فيلم "في بيتنا رجل"، كان انتظار مدفع الإفطار لحظة فارقة جمعت بين ترقب الأذان وتوتر الاختباء من طرد السلطات.
كما خلدت السينما تضحيات الجنود المصريين في حرب أكتوبر من خلال فيلم "المواطن مصري"، الذي استعرض الاستعدادات القتالية في ظروف الصيام خلال شهر رمضان عام 1973.
المظاهر الاجتماعية.. من موائد الرحمن إلى زحمة الإفطار
رصدت الأفلام أيضاً قيم التكافل الاجتماعي، كما ظهر في مشهد مائدة الرحمن بفيلم "إضراب الشحاتين" (1966).
وفي فيلم "ضربة معلم"، تجسدت عبقرية المكان والزمان عبر صوت الشيخ محمد رفعت ومدفع الإفطار الذي يدوّي في زحام شوارع القاهرة.
في الألفية الجديدة، استمرت السينما في نقل دفء العلاقات الإنسانية بنفس الشغف، مع الاهتمام بتفاصيل أكثر وضوحًا، وهو ما نراه في فيلم "عسل أسود" الذي تم إنتاجه عام (2010)، ظهرت مائدة الإفطار كرمز للترابط الاجتماعي الذي يمحو الصعوبات، بينما ركز فيلم "إكس لارج" الذي تم إنتاجه عام (2011) على الطقوس اليومية للمصريين، بدءاً من تعليق الزينة وصولاً إلى معاناة الصيام في حر الصيف، بأسلوب يمزج بين الكوميديا والواقعية.
تظل هذه المشاهد السينمائية، وإن كانت قصيرة في مدتها الزمنية، وثيقةً بصريةً غنيةً تصف حال الأسرة المصرية البسيطة، وتؤكد أن رمضان في بيوت المصريين هو رمز للخير والمحبة التي لا تتغير بمرور السنين.



