الثلاثاء 10 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

سيناريوهات التحرك المصرى فى مواجهة الخطر الصاعد للحرب الإيرانية

 

 

فى العمل السياسى تظل مسألة «الحسابات الخاطئة»، أسوأ الخيارات، ذلك أن نتائجها بالتبعية كارثية ومأساوية، وأضرارها لا ترتبط بشخص أو نظام، ولكنها تطال شعوبًا، وفى الحروب والمواجهات العسكرية، إذا خرجت الأمور عن السيطرة وحضرت الحسابات الخاطئة، ستكون النتائج كارثية أيضًا، لأننا سنكون أمام «حرب شاملة» متعددة الجبهات.


نظرية الحسابات الخاطئة فى السياسة، تُشير إلى اتخاذ قادة دول أو فاعلين سياسيين قرارات بناءً على تقديرات غير دقيقة، ما يؤدى إلى نتائج قرارات خاطئة، تقود لحرب أو صراع أهلى مدمر، أو ثورة شعبية أو أزمة اقتصادية حادة، أو تهديد ممتد للمصالح الحيوية للأمن القومى.
 


من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى حسابات قرارات الهجمات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران منذ بداية الأسبوع الماضى، فالتقديرات الخاطئة حاضرة من الجهتين، بداية من الطرف الذى بدأ فى الهجوم، بقصف مكثف، استهدف قادة النظام الإيرانى، وعلى رأسهم مرشد الثورة الإيرانية «على خامنئى» ثم من الطرف الثانى، الذى رد الهجوم بحرب إقليمية، استهدف فيها دول الخليج العربى، بدعوى قصف القواعد العسكرية الرابضة فيها!.
 


ربما لم تظهر بعد ارتدادات ومآلات الحرب على إيران، وبينما عمليات القصف المتبادل بين الأطراف الثلاثة مازالت مستمرة، غير أن معظم التقديرات تُشير إلى مرحلة جديدة من الصراع الممتد فى المنطقة، الذى لن تتقيد تأثيراته بحدود المنطقة والإقليم، ليمتد إلى دوائر عالمية أخرى، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.


الحسابات الخاطئة

الحذر من مخاطر «الحسابات الخاطئة»، فى الحرب على إيران، كان حاضرًا فى تقدير الموقف المصرى المبدئى، الذى تحدث عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى حفل الإفطار السنوى للقوات المسلحة الأسبوع الماضى، حينما أشار إلى أن «التقديرات الخاطئة، والحسابات غير الدقيقة، تؤدى إلى الحروب والأزمات»، وزاد حينما وصف التطورات المتسارعة بعد الهجوم على طهران، ومنها توجيه ضربات إلى دول الخليج، باعتبارها «جزءًا من الحسابات الخاطئة».
 


والواقع أن المعنى الذى يمكن أن نستخلصه من التقدير المصرى لمشهد الحرب على إيران، أننا أمام جولة جديدة من الصراع الإقليمى التى يصعب التنبؤ بمآلاتها وارتداداتها، وكان ذلك واضحًا حينما أشار الرئيس السيسى إلى أن «المهم هو عدم استمرار الحسابات الخاطئة»، لكنه فى نفس الوقت قال إنه «يشك فى أن تتوقف الحرب قريبًا».
 


وحتى الأن لا يبدو أن هناك أفقًا لرأب الصدع، ووقف المواجهات العسكرية، ذلك أن الأطراف ماضية فى الحسابات الخاطئة، وأهم مظاهرها كالتالى:
 

 

راهنت أمريكا وإسرائيل، على تغيير النظام فى إيران، باستحضار نموذج ما حدث فى فنزويلا، عبر «عملية اليوم الواحد»، التى تستهدف رأس النظام، وهو ما حدث باغتيال خامنئى، على أن يلى ذلك دعم حركة شعبية من الداخل، تُطالب بتغيير نظام ولاية الفقية فى إيران، وهذا لم يحدث حتى الآن.
 


 من بين مظاهر الحسابات الخاطئة، تباين الرواية الأمريكية فيما يتعلق بالهجوم على طهران، وهو ما يمكن ملاحظته فى تحليل مضمون تصريحات الرئيس الأمريكى، دونال ترامب، كحديثه فى البداية أن «الحرب قد تمتد إلى أربعة أو خمسة أسابيع»، ثم عودته للحديث أنها «يمكن أن تمتد لفترة أطول بكثير»، ثم حديثه عن أن «الموجة الكبرى من الضربات لم تبدأ بعد»، وهى تباينات لا تختلف عن أحاديثه السابقة عن أن «واشنطن لا تستهدف النظام الإيرانى، وفى نفس الوقت يأتى الفعل عكس القول».
 


هذا السياق المتغير لا يدل فقط على عدم وضوح أهداف عسكرية محددة، وإنما تعبيرًا عن نتائج الحسابات الخاطئة، ما بين خيار تقديم الحرب كحملة قصيرة وفعالة، وبين الحاجة إلى إبقائها مفتوحة كخيار إذا تبدّلت الظروف على أرض الواقع.
 


 فى المقابل، نستطيع أن ننظر لحسابات طهران الخاطئة فى الحرب، فى توسيع رقعة الصراع، والرد الإيرانى بحرب ثانية على دول الخليج العربى، والتى كانت إلى وقت قريب، أحد الأصوات المهمة الداعية لعدم اللجوء للخيار العسكرى مع طهران، وهنا لا يمكن إغفال أن هناك جبهات أخرى مرتبطة بالدول العربية وسيادتها، لا يمكن فصلها عن هذا الصراع، وكلها جبهات تشكل إمتدادًا إقليميًا للنفوذ الإيرانى بالمنطقة.
 


وهنا نتحدث، عن جبهة «الحوثيين» فى اليمن، وجبهة «حزب الله» فى الجنوب اللبنانى، ومحور المقاومة فى غزة والأراضى الفلسطينية، وأيضًا فى سوريا والعراق، والمعنى هنا، أن احتمالات اتساع رقعة الصراع المسلح، قائمة لتمتد إلى كل هذه الجبهات بالمنطقة.
 


من هذا السياق، نستطيع أن نقرأ الذى تحدث به الرئيس السيسي فى تقديره لموقف الحرب، حينما أشار إلى أن «هذه الأزمة، ستغير شكل المنطقة، ليس على البعد الإنسانى، ولكن تأثير كبير على التوازن الإقليمى»، وزاد حينما أشار إلى أن «هناك تحسب أو مخاوف أن تؤدى إلى سقوط دول وليس أنظمة»، والفارق كبير بينهما.

الحسابات المصرية فى الأزمة


نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بالحسابات المصرية فى التعاطى مع تلك الأزمة، والواقع أن مصر أمام تحدٍ إقليمى جديد، يُضاف إلى سلسلة التحديات الإقليمية الأخرى المحيطة بها فى دول الجوار المباشر وغير المباشر، وباعتبارها جزءًا من المنطقة ستتأثر بارتدادات هذا الصراع، وهنا يمكن الحديث عن سيناريوهات محتملة فى ضوء محددات الموقف المصرى الثابتة فى التعامل مع أزمات الإقليم، يمكن إجمالها، فيما يلى:
 

 

 أولًا، تتبنى مصر سياسة خارجية قائمة مقاربة تدعو إلى تبنى الحلول السلمية والسياسية، وتغليب منطق التهدئة ودعم الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية، فى مواجهة منطق الصراع والنزاع المسلح، وفى هذا الإطار سعت بجهد حثيث قبل اندلاع الحرب، لتقريب وجهات النظر والوساطة بين واشنطن وطهران، للوصول لاتفاق، باعتبار أن الحروب دائمًا ما تكون لها تأثيرات سلبية فى الدول التى تجرى بها وجوارها.
 


 ثانيًا، إن الحسابات المصرية، قائمة على تقديرات مبنية على أسس علمية، وليست قائمة على مبدأ رد الفعل، وبالتالى هى تتعامل مع معطيات الأزمات الإقليمية بسياق مؤسسى، يدعم دورها كقوة توازن واستقرار إقليمى.
 


 ثالثًا، جاء التحرك المصرى الأولى، ليعبر عن هذا المفهوم، حينما أجرى الرئيس السيسي، سلسلة من الاتصالات مع قادة الدول الخليجية التى تعرضت لهجوم إيرانى، ليؤكد على ثوابت الموقف المصرى، الداعية لرفض الاعتداء على الدول وسيادتها، ودعم الأشقاء العرب والاصطفاف فى مواجهة الأزمات، من منطلق أن الأمن القومى العربى وأمن الشرق الأوسط، جزء لا يتجزأ.
 


 رابعًا، المصداقية فى التدخلات المصرية بالأزمات الإقليمية، خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد دورها فى الوساطة وصناعة السلام، بجهود مخلصة ومستنيرة، كما حدث فى غزة، يعزز دورها فى إمكانية الوساطة المحتملة لرأب الصدع الإقليمى، ولاسيما أن النهج المصرى فى التسوية السلمية، قائم على الصبر وعدم الاندفاع حتى لا تحدث تداعيات سلبية بالمنطقة.
 


 خامسًا، على الصعيد الاقتصادى، تتحسب مصر من نتائج الحرب وغلق مضيق هرمز، وتأثر الملاحة فى قناة السويس، التى لم تعد لطبيعتها منذ بداية حرب غزة فى السابع من أكتوبر 2023، هذا إلى جانب تأثر تدفقات البترول والأسعار، وكلها تداعيات ستؤثر على الاقتصاد الإقليمى ومن بينه المصرى، وقد تمتد إلى الاقتصاد العالمى، حال إطالة أمد الحرب، وهى أبعاد تحدثت عنها الحكومة، والتى قد ينتج عنها حراك فى الأسعار، بما فى ذلك أسعار الوقود.
 


وختامًا، تستدعى كل هذه التطورات اصطفافًا داخليًا، لدعم صمود الدولة المصرية فى مواجهة موجة التغيير بالمنطقة، بنفس الفلسفة التى واجهت بها الدولة، الظروف الصعبة التى تمر بها منذ عام 2020، بداية من جائحة كورونا، ثم الحرب الأوكرانية، والحرب على غزة، وصولًا للحرب الإيرانية، وكلها أزمات لم تكن مصر سببًا فيها ولكنها خارجة عن قدراتها.. حفظ الله مصر. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط