إذا كان الفن محاكاة للواقع كما قال أرسطو فيلسوف الإغريق العظيم، فإن مسلسل «رأس الأفعى» هو وقائع حدثت فعلا، نسجها الكاتب المبدع هانى سرحان بخيال الفن ولغته وأساليبه، فكان الفن وسيلته إلى تفكيك هذه الوقائع وتفسيرها، ليؤكد لنا أن العنف والدم والتآمر خلايا أساسية فى بنية جماعة الإخوان، يتنفسونها ويعيشون بها، وليست أعراضا طارئة مرهونة بظروف خاصة!
والتفسير بمثابة ناقوس خطر، ينبهنا ويحذرنا، إياكم والسقوط مجددا فى فخ الكلمات المعجونة بظاهر التقوى المتمسحة بالدين الحنيف، فهى مجرد خيوط ناعمة خلفها سيوف وخناجر وطلقات رصاص وعربات مفخخة وعبوات ناسفة، وقد سبق لمجتمعنا أن سقط فيها فى الأربعينيات، والخمسينيات والسبعينيات، فكان سهلا أن يكون فريسة بين مخالب الجماعة فترة طويلة، مخالب على هيئة خدمات إنسانية، ومراكز تجارية ومدارس خاصة ومستوصفات منتشرة، حتى تمكنت من الوثوب على السلطة، لنفيق على محاولاتها طمس معالم وتقاليد وقيم عاش عليها المصريون طول حياتهم، وحين أمسك الخطر برقاب أهل مصر جميعا، هبوا ليتخلصوا منهم، فدفعوا ثمنا باهظا، ما زالت أقساطه تسدد حتى الآن من اقتصادهم ومستوى معيشتهم!
وشرح لنا المسلسل أيضا القول الفصل فى فلسفة الإرهاب، إن الأزمة ليست فى «الإرهابى» على الأرض، وإنما فى «صناع» عقل الإرهابى، الدعاة الذين يدسون سم التطرف والتشدد فى خلايا هؤلاء القتلة، فينزعون عنهم صحيح الدين والإنسانية المتسامحة، وينقلون إليهم خلايا فاسدة متعنتة كارهة منعزلة عن بقية المجتمع، فتراه خطرا عليها وعلى أفكارها.
لمرشدهم الأول المؤسس حسن البنّا رسالة إلى كبار مصر فى أوائل الأربعينيات من القرن الماضى تشى بالعنف الكامن فى الجماعة: «نُهِيب بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب أن ينضموا إلينا، وأن يسلكوا سبيلنا وأن يعملوا معنا، ويتوحدوا تحت لواء القرآن العظيم ويستظلوا براية النبى الكريم ومنهاج الإسلام القويم. فإن أجابوا فهو خيرهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، وتستطيع الدعوة بهم أن تختصر الوقت والجهود، وإن أبوا فلا بأس علينا أن ننتظر قليلًا وأن نلتمس المعونة من الله وحده حتى يحاط بهم ويسقط فى أيديهم ويضطروا إلى العمل للدعوة أذنابًا وقد كانوا يستطيعون أن يكونوا رؤساء، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
أى إن الجماعة هى الإسلام وغيرها إما أتباع بالرغبة أو أذناب (بالإكراه)، تهديد مبطن بالعنف!
أى كان الخلاف بين محمد كمال ومحمود عزت بعد أن أسقط المصريون حكم الجماعة فى 2013، وأمسكت الشرطة المصرية بالقيادات الكبرى هو فى كيفية «إدارة العنف والإرهاب» ضد المجتمع المصرى، أى فى تنفيذ وصية حسن النبا فى صناعة «أذناب بالإكراه»!
وهو ما فسره مسلسل رأس الأفعى بمهارة مستندة إلى وقائع واعترافات من أعضاء الجماعة أنفسهم الذين قاموا بالأعمال الإرهابية.
واسم المسلسل يثير الإعجاب، وهو وصف دقيق صحيح، ولا أظن أنه يقصد برأس الأفعى محمود عزت أو محمد كمال أو مرشد الإخوان أيا كان، فالأفعى هى الجماعة نفسها، ورأسها هو «الفكرة» التى تحركها وتبث فيها القدرة على اللدغ!
وهنا علينا أن نفكر ونعمل لنجيب عن سؤال فى غاية الخطورة: كيف نقطع رأس الأفعى؟!
مبدئيا، علينا أن نعرف كيف تحولت الجماعة إلى أفعى كما وصفها المسلسل، والأفعى من أخطر الكائنات الحية على وجه الأرض.
وأتصور أن ثمة أخطاء كثيرة وقعت فيها الدولة المصرية منذ تأسيس الجماعة فى عام 1928 هى التى أوصلتها إلى هذه الدرجة من الخطورة، والجميل الآن من تصرفات الدولة أنها تعلمت الدرس ووعت التجربة ولهذا تتجنب الوقوع تلك الأخطاء.
أول خطأ هو التعامل مع رسالة البنا إلى كبار أهل مصر، فهى لم تلفت انتباه حكام البلاد وساساتها فى نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، مع أنها رسالة شديدة الوضوح، ولا تحتمل أى تأويلات خارج هدفها المباشر، وتبين أن التنظيم الخاص الذى تأسس فى عام 1940 كان وسيلة لـ«صناعة الأذناب بالإكراه» وليس التصدى لليهود والإنجليز كما أشاعت الجماعة، فالكفاح المسلح ضد الاحتلال له تقاليد وأساليب وطنية، ليس من بينها الحلفان على المصحف بالولاء والطاعة لشخص، لأن الوطن أهم من أى شخص، والولاء يكون للوطن.. ولهذا كانت اغتيالات التنظيم الخاص جزءا من فلسفة لنشر الفوضى وتغيير نظام الحكم بالعنف المباشر.
والمدهش لو راجعنا أفكار الجماعة عن نفسها، سنجدها مستمدة من التراث اليهودى فى وصف اليهودى الصحيح، فالجماعة مهمة مقدسة، كما لو كانت «نبوة خاصة»، وولاتها من صحابة رسول الله، جاءوا فى زمن مختلف للحفاظ على صحيح الدين، لا يخطئون ولا يصيبهم الزلل، وأى قرارات يتخذونها هى فيض من الله لهم، مرتبطة بالرسالة النورانية، حتى لو كان ظاهرها ضررا بالغا وتشتتا وحبسا وسجنا، لأنها قرارات بلاء واختبار من الله، يمتحن فيها قدرة الجماعة على التمسك بالعروة الوثقى والصبر على المكاره من أجل الدعوة، وتدريب أعضائها على الجهاد فى سبيل الله!، أى هم شعب الله المختار، والآخرون هم الأغيار الذين لا يستحقون إلا أن يكونوا خدما وعبيدا!
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا اغتالوا أحمد فهمى النقراشى فى ديسمبر 1948 حين حل الجماعة لأول مرة!، كان عقابا له على حل «المهمة المقدسة»!
وهنا ارتكبت الدولة ثانى الأخطاء، بعد الاغتيال طارد إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء الجماعة بشراسة، لكن الملك فاروق لم يستوعب خطورتها، فأوقف عمليات المطاردة التى كادت تحول الجماعة إلى زرافات مشتتة، فاستعادت الجماعة زمام نفسها مرة أخرى.
وهو نفس الخطأ الذى وقعت فيه ثورة يوليو حين حلت الأحزاب فى يناير عام 1953، وتركت الجماعة طليقة بالمخالفة للقانون، وكان رجال الثورة قد علموا أن الجماعة تمكنت بجاذبية الدين من التسلل إلى القضاء والجيش والشرطة والتعليم وطلبة الجامعات!
وكبر الخطأ بالتفاوض مع الجماعة على الاشتراك فى الحكم بثلاثة وزراء.
أولا: التفاوض حوَّل حلم السلطة البعيد إلى واقع ممكن، وفهمت قيادات الجماعة من العرض أن الثورة مضطرة إليه، لأن الثورة لا تقدر على الوقوف فى وجه الجماعة، والبديل هو استمالتها.
ثانيا: أحست الجماعة بالقوة، فلماذا تقبل بثلاثة مقاعد إذا كان فى مقدورها الوصول إلى كل المقاعد، ومصر فى حالة سيولة، وهى ما فعلته فى سنة 2012، أى بعد 59 سنة.
وكان حتميا أن يقع صدام 1954، ولم تكمل الثورة عملها بأن تتعقب الخلايا النائمة فى أجهزة الدولة ومؤسساتها، فكان طبيعيا أن تحاول الجماعة فى عام 1965 نشر الفوضى والتخريب فى الدولة على نطاق واسع، فانتبهت الدولة وشنت أقوى حملاتها على الجماعة، فركب أعضاؤها قطار الرحلة الأخيرة سواء بالتخفى فى مصر أو بالهروب خارج البلاد.
لكن السلطة فى عهد أنور السادات ارتكبت أسوأ أخطائها فى منتصف سبعينيات القرن العشرين، حين تحالفت مع الجماعة ضد اليساريين والناصريين وهما خطر هش كما أثبت تاريخهما، وسمحت لقيادات الجماعة بالعودة محملين بأموال الخليج ليعملوا بحرية فى الشارع المصرى، بالطبع عادوة أكثر قوة وقدرة مالية!
ثم توحشت الجماعة فى عصر حسنى مبارك وبلغت من القوة مبلغا لم تتوقع أن تصل إليه، لها جانبان: إمبراطورية اقتصادية فى التعليم والصحة والتجارة، ودعم وتأييد من الملايين فى العشوائيات!
باختصار، قطع رأس الأفعى لن يحدث إلا بإصابة مصادر التمويل بشلل، وفضح الفكرة فلسفيا وفكريا وفنيا ودينيا دون توقف.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



