الثلاثاء 10 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

إذا كان الفن محاكاة للواقع كما قال أرسطو فيلسوف الإغريق العظيم، فإن مسلسل «رأس ‏الأفعى» هو وقائع حدثت فعلا، نسجها الكاتب المبدع هانى سرحان بخيال الفن ولغته وأساليبه، ‏فكان الفن وسيلته إلى تفكيك هذه الوقائع وتفسيرها، ليؤكد لنا أن العنف والدم والتآمر خلايا ‏أساسية فى بنية جماعة الإخوان، يتنفسونها ويعيشون بها، وليست أعراضا طارئة مرهونة ‏بظروف خاصة!‏


والتفسير بمثابة ناقوس خطر، ينبهنا ويحذرنا، إياكم والسقوط مجددا فى فخ الكلمات المعجونة ‏بظاهر التقوى المتمسحة بالدين الحنيف، فهى مجرد خيوط ناعمة خلفها سيوف وخناجر ‏وطلقات رصاص وعربات مفخخة وعبوات ناسفة، وقد سبق لمجتمعنا أن سقط فيها فى ‏الأربعينيات، والخمسينيات والسبعينيات، فكان سهلا أن يكون فريسة بين مخالب الجماعة ‏فترة طويلة، مخالب على هيئة خدمات إنسانية، ومراكز تجارية ومدارس خاصة ‏ومستوصفات منتشرة، حتى تمكنت من الوثوب على السلطة، لنفيق على محاولاتها طمس ‏معالم وتقاليد وقيم عاش عليها المصريون طول حياتهم، وحين أمسك الخطر برقاب أهل ‏مصر جميعا، هبوا ليتخلصوا منهم، فدفعوا ثمنا باهظا، ما زالت أقساطه تسدد حتى الآن من ‏اقتصادهم ومستوى معيشتهم! 


وشرح لنا المسلسل أيضا القول الفصل فى فلسفة الإرهاب، إن الأزمة ليست فى «الإرهابى» ‏على الأرض، وإنما فى «صناع» عقل الإرهابى، الدعاة الذين يدسون سم التطرف والتشدد فى ‏خلايا هؤلاء القتلة، فينزعون عنهم صحيح الدين والإنسانية المتسامحة، وينقلون إليهم خلايا ‏فاسدة متعنتة كارهة منعزلة عن بقية المجتمع، فتراه خطرا عليها وعلى أفكارها.‏


لمرشدهم الأول المؤسس حسن البنّا رسالة إلى كبار مصر فى أوائل الأربعينيات من القرن ‏الماضى تشى بالعنف الكامن فى الجماعة: «نُهِيب بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب أن ‏ينضموا إلينا، وأن يسلكوا سبيلنا وأن يعملوا معنا، ويتوحدوا تحت لواء القرآن العظيم ‏ويستظلوا براية النبى الكريم ومنهاج الإسلام القويم. فإن أجابوا فهو خيرهم وسعادتهم فى ‏الدنيا والآخرة، وتستطيع الدعوة بهم أن تختصر الوقت والجهود، وإن أبوا فلا بأس علينا أن ‏ننتظر قليلًا وأن نلتمس المعونة من الله وحده حتى يحاط بهم ويسقط فى أيديهم ويضطروا إلى ‏العمل للدعوة أذنابًا وقد كانوا يستطيعون أن يكونوا رؤساء، والله غالب على أمره ولكن أكثر ‏الناس لا يعلمون».‏


أى إن الجماعة هى الإسلام وغيرها إما أتباع بالرغبة أو أذناب (بالإكراه)، تهديد مبطن ‏بالعنف!‏


أى كان الخلاف بين محمد كمال ومحمود عزت بعد أن أسقط المصريون حكم الجماعة فى ‏‏2013، وأمسكت الشرطة المصرية بالقيادات الكبرى هو فى كيفية «إدارة العنف والإرهاب» ‏ضد المجتمع المصرى، أى فى تنفيذ وصية حسن النبا فى صناعة «أذناب بالإكراه»!‏


وهو ما فسره مسلسل رأس الأفعى بمهارة مستندة إلى وقائع واعترافات من أعضاء الجماعة ‏أنفسهم الذين قاموا بالأعمال الإرهابية.


واسم المسلسل يثير الإعجاب، وهو وصف دقيق صحيح، ولا أظن أنه يقصد برأس الأفعى ‏محمود عزت أو محمد كمال أو مرشد الإخوان أيا كان، فالأفعى هى الجماعة نفسها، ورأسها هو «الفكرة» التى تحركها وتبث فيها القدرة على اللدغ!‏


وهنا علينا أن نفكر ونعمل لنجيب عن سؤال فى غاية الخطورة: كيف نقطع رأس الأفعى؟!‏


مبدئيا، علينا أن نعرف كيف تحولت الجماعة إلى أفعى كما وصفها المسلسل، والأفعى من ‏أخطر الكائنات الحية على وجه الأرض.‏


وأتصور أن ثمة أخطاء كثيرة وقعت فيها الدولة المصرية منذ تأسيس الجماعة فى عام ‏‏1928 هى التى أوصلتها إلى هذه الدرجة من الخطورة، والجميل الآن من تصرفات الدولة ‏أنها تعلمت الدرس ووعت التجربة ولهذا تتجنب الوقوع تلك الأخطاء.‏


أول خطأ هو التعامل مع رسالة البنا إلى كبار أهل مصر، فهى لم تلفت انتباه حكام البلاد ‏وساساتها فى نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، مع أنها رسالة شديدة الوضوح، ولا تحتمل ‏أى تأويلات خارج هدفها المباشر، وتبين أن التنظيم الخاص الذى تأسس فى عام 1940 كان ‏وسيلة لـ«صناعة الأذناب بالإكراه» وليس التصدى لليهود والإنجليز كما أشاعت الجماعة، ‏فالكفاح المسلح ضد الاحتلال له تقاليد وأساليب وطنية، ليس من بينها الحلفان على المصحف ‏بالولاء والطاعة لشخص، لأن الوطن أهم من أى شخص، والولاء يكون للوطن.. ولهذا كانت ‏اغتيالات التنظيم الخاص جزءا من فلسفة لنشر الفوضى وتغيير نظام الحكم بالعنف المباشر.‏


والمدهش لو راجعنا أفكار الجماعة عن نفسها، سنجدها مستمدة من التراث اليهودى فى ‏وصف اليهودى الصحيح، فالجماعة مهمة مقدسة، كما لو كانت «نبوة خاصة»، وولاتها من ‏صحابة رسول الله، جاءوا فى زمن مختلف للحفاظ على صحيح الدين، لا يخطئون ولا ‏يصيبهم الزلل، وأى قرارات يتخذونها هى فيض من الله لهم، مرتبطة بالرسالة النورانية، ‏حتى لو كان ظاهرها ضررا بالغا وتشتتا وحبسا وسجنا، لأنها قرارات بلاء واختبار من الله، ‏يمتحن فيها قدرة الجماعة على التمسك بالعروة الوثقى والصبر على المكاره من أجل الدعوة، ‏وتدريب أعضائها على الجهاد فى سبيل الله!، أى هم شعب الله المختار، والآخرون هم الأغيار ‏الذين لا يستحقون إلا أن يكونوا خدما وعبيدا!‏


ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا اغتالوا أحمد فهمى النقراشى فى ديسمبر 1948 حين حل ‏الجماعة لأول مرة!، كان عقابا له على حل «المهمة المقدسة»!‏


وهنا ارتكبت الدولة ثانى الأخطاء، بعد الاغتيال طارد إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء ‏الجماعة بشراسة، لكن الملك فاروق لم يستوعب خطورتها، فأوقف عمليات المطاردة التى ‏كادت تحول الجماعة إلى زرافات مشتتة، فاستعادت الجماعة زمام نفسها مرة أخرى.‏


وهو نفس الخطأ الذى وقعت فيه ثورة يوليو حين حلت الأحزاب فى يناير عام 1953، ‏وتركت الجماعة طليقة بالمخالفة للقانون، وكان رجال الثورة قد علموا أن الجماعة تمكنت ‏بجاذبية الدين من التسلل إلى القضاء والجيش والشرطة والتعليم وطلبة الجامعات!‏


وكبر الخطأ بالتفاوض مع الجماعة على الاشتراك فى الحكم بثلاثة وزراء.


أولا: التفاوض حوَّل حلم السلطة البعيد إلى واقع ممكن، وفهمت قيادات الجماعة من العرض ‏أن الثورة مضطرة إليه، لأن الثورة لا تقدر على الوقوف فى وجه الجماعة، والبديل هو ‏استمالتها.‏


ثانيا: أحست الجماعة بالقوة، فلماذا تقبل بثلاثة مقاعد إذا كان فى مقدورها الوصول إلى كل ‏المقاعد، ومصر فى حالة سيولة، وهى ما فعلته فى سنة 2012، أى بعد 59 سنة.‏


وكان حتميا أن يقع صدام 1954، ولم تكمل الثورة عملها بأن تتعقب الخلايا النائمة فى أجهزة ‏الدولة ومؤسساتها، فكان طبيعيا أن تحاول الجماعة فى عام 1965 نشر الفوضى والتخريب ‏فى الدولة على نطاق واسع، فانتبهت الدولة وشنت أقوى حملاتها على الجماعة، فركب ‏أعضاؤها قطار الرحلة الأخيرة سواء بالتخفى فى مصر أو بالهروب خارج البلاد.‏


لكن السلطة فى عهد أنور السادات ارتكبت أسوأ أخطائها فى منتصف سبعينيات القرن ‏العشرين، حين تحالفت مع الجماعة ضد اليساريين والناصريين وهما خطر هش كما أثبت ‏تاريخهما، وسمحت لقيادات الجماعة بالعودة محملين بأموال الخليج ليعملوا بحرية فى الشارع ‏المصرى، بالطبع عادوة أكثر قوة وقدرة مالية!‏
ثم توحشت الجماعة فى عصر حسنى مبارك وبلغت من القوة مبلغا لم تتوقع أن تصل إليه، ‏لها جانبان: إمبراطورية اقتصادية فى التعليم والصحة والتجارة، ودعم وتأييد من الملايين فى ‏العشوائيات!‏


باختصار، قطع رأس الأفعى لن يحدث إلا بإصابة مصادر التمويل بشلل، وفضح الفكرة فلسفيا ‏وفكريا وفنيا ودينيا دون توقف.‏

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط