الثلاثاء 10 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران لا أحد يعرف إلى أين ستتجه، ولا يملك أحد جوابًا حاسمًا لما ستؤول إليه الأمور. كل ما يحيط بهذه الحرب يبدو مبهمًا وغامضًا، لكن ما هو واضح وضوح الشمس أن منطقة الشرق الأوسط؛ وبخاصة المنطقة العربية، تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع القوة والنفوذ، بحيث تكون لإسرائيل وأمريكا اليد الطولى فى تحقيق ما يُسمى بـ «إسرائيل الكبرى». 
 


قبل ثلاثة أسابيع فقط، كشف مايك هاكابى، السفير الأمريكى فى إسرائيل، عن الوجه الحقيقى لكل من أمريكا وإسرائيل حين قال إن الكيان الصهيونى له حق فى الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات. وبعد الاعتراضات الشديدة والقوية من مصر والأردن والسعودية، تراجع عن هذه التصريحات مدعيًا أنها مجرد «تعبير مجازى»، لكنه فى الحقيقة كشف عمّا يتم التخطيط له بين إسرائيل وأمريكا. 
 


أمّا نتنياهو؛ فقد تحدّث علنًا فى أكثر من لقاء تليفزيونى، وحتى فى الأمم المتحدة، عن فكرة «إسرائيل الكبرى»، ليجد تأييدًا من الرئيس الأمريكى ترامب الذى وصف إسرائيل بأنها دولة تضيق بسكانها. الهدف الأساسى لنتنياهو، وما يحلم به، هو أن يُكتَب فى سِجِله أنه الملك الذى وسّع مساحة إسرائيل. 
 


وبعد اغتيال المرشد الأعلى لإيران على خامنئى، يسقط من يد ترامب شعاره بأن المفاوضات مع إيران كان يمكن أن تنجح لولا وجود خامنئى. ومن هنا كان المدخل الرئيسى للمخطط «الأمريكى- الإسرائيلى» باغتيال تسعةٍ وأربعين من القيادات الإيرانية خلال ساعة واحدة فجر يوم السبت 28 فبراير. وتكررت المعادلة نفسها: تغلغل الموساد والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية فى الداخل الإيرانى، واختراق معظم أجهزته الأمنية. 
 


وقد قامت الخدعة «الأمريكية- الإسرائيلية» على اختيار يوم السبت، وهو يوم مقدس عند اليهود يتوقفون فيه عن العمل، لكن الاختراق الاستخباراتى الإسرائيلى سرّب معلومات عن اجتماع القادة الإيرانيين مع المرشد الأعلى لمناقشة رؤية كاملة حول المفاوضات مع أمريكا بشأن المشروع النووى وتخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية. لم تتوقع القيادات الإيرانية أن يتم استهداف المقر الخاص بالمرشد؛ إذ كان الاجتماع مخصصًا لتقديم بعض التنازلات فى ملف تخصيب اليورانيوم قبل الاجتماع التقنى المقرر يوم الاثنين 2 مارس فى جنيف. 
 


وعلى الجانب الآخر، رأت إسرائيل وأمريكا أن هذه المعلومة تمثل الفرصة الكبرى لما يُعرف بـ«قَطع الرؤوس» لتغيير النظام الإيرانى والتخلص من العقبة الأكبر التى أشار إليها ترامب، وهى تشدُّد المرشد على خامنئى فى اتخاذ المواقف ضد إسرائيل وأمريكا. وعلى هذا الأساس، تم تدمير المجمع الأمنى الذى عقد فيه الاجتماع باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. ويُؤخذ على القيادات الإيرانية عدم استيعاب درس حرب الاثنى عشر يومًا فى يونيو 2025، حين نجح الموساد الإسرائيلى فى اختراق معظم المؤسّسات الإيرانية.
 


ويبدو أن الإدارة الأمريكية فى تخطيطها العام اعتبرت أن إيران تشبه فنزويلا، بحيث يمكن اختطاف أو قتل رأس النظام فى عملية خاطفة خلال يوم واحد، ثم تأتى الخطوة الثانية بتولى قائد موالٍ لأمريكا زمام الأمور فى إيران، بما يمهّد للتفاوض والولاء الكامل لكل من أمريكا وإسرائيل. كان هذا هو حلم ترامب ونتنياهو، لكن الصدمة الكبرى أن المخطط «الأمريكى- الإسرائيلى» لم يدرك أن النظام الإيرانى نظام عقائدى، وأن لكل قيادة إيرانية أربعة بدلاء، مع استفادة كاملة من التحضير والتجهيز المسبق لضمان وجود أكثر من بديل لكل قائد. ومن هنا فشلت عملية «قطع الرؤوس». 
 


الطامة الكبرى أن قتل المرشد لم يكن فى صالح المخطط «الأمريكى- الإسرائيلى» الذى كان يعمل على تقسيم وتفتيت إيران. فبينما توقعت واشنطن وتل أبيب خروج مظاهرات فى المدن الإيرانية احتفالًا بقتل المرشد، على العكس تمامًا؛ شهدت إيران مزيدًا من التماسك والتكاتف مع النظام، وتعاطفًا شديدًا، وخروج مظاهرات حاشدة وكبيرة رافعة شعار «الموت لأمريكا وإسرائيل». 
 


فى المجمل العام؛ إن اغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى، البالغ من العمر سبعة وثمانين عامًا، مع أسرته، أشعل قوة الإرادة والصمود لدى الإيرانيين، باعتباره قيادة روحية قبل أن يكون قيادة سياسية. فضلًا عن أن العقيدة الشيعية فى إيران تعتبر المرشد فى منزلة الإمام، وهذه العقيدة تحتم على الإيرانيين الثأر له بلا تهاون. ومن هنا بدأت العمليات الهجومية على المصالح الأمريكية فى باكستان والعراق، وتصاعدت هجمات الحوثيين فى اليمن، وصولًا إلى ما قام به حزب الله من هجوم صاروخى على شمال إسرائيل. 
 


وعلى خلفية اغتيال المرشد؛ لن تهدأ منطقة الشرق الأوسط من موجات الانتقام، باعتبار المرشد الإيرانى قيادة روحية لجموع الشيعة فى العالم كله. وعلى هذا الأساس، تتسع رقعة الصراع، فيما تشير المؤشرات الحالية إلى أن الحرب قد لا تطول بسبب تكلفتها العالية على الجميع؛ إذ لا ترغب القوى الكبرى فى انفجار شامل فى منطقة النفط والغاز الأساسية فى العالم. لكن قصر أو طول المدة لا يقلل من آثارها؛ فأحيانًا أسبوع واحد يكفى لتغيير خارطة الشرق الأوسط لعقود. وكل ما يتمناه البشر أن يعلو صوت العقل فوق زئير الصواريخ.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط