الثلاثاء 10 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يكن حكم محكمة جنح مدينة نصر بمعاقبة 4 متهمين بالحبس 3 سنوات وكفالة 10 آلاف جنيه لإيقاف تنفيذ عقوبة الحبس لحين الاستئناف، هو الفصل الأخير فى قضية غرق السباح يوسف محمد أحمد، مأساة أودت بحياة شاب بطل فى مقتبل العمر، بعد أن ثبت على المتهمين إهمالهم وتقصيرهم فى أداء المهام المنوطة بهم وإخلالهم إخلالاً جسيمًا بما تفرضه أصول وظيفتهم، وتعريضهم حياة الأطفال المشاركين فى بطولة الجمهورية للسباحة للخطر. ولكن الأهم مما جاء فى الحكم القضائى تمثل فى استجوابات النيابة لرئيس اتحاد السباحة وأعضاء مجلس إدارته ومديره التنفيذى ورئيس لجنة المسابقات بالاتحاد، التى كشفت عدم تمتع الأغلب الأعم منهم بالخبرة والدراية الكافية بالقواعد التنظيمية والفنية لإدارة اتحاد السباحة من أصله. وعدم اختيار المؤهلين فنيًا واللائقين صحيًا للقيام بأعباء تنظيم مسابقات اللعبة.


وعندما نتحدث عن نقص الخبرة، والتى للأسف تملكت من جميع أعضاء اتحاد السباحة المصرى، لا يسعنا القول إنها مجرد تفصيلة عابرة فى غرق يوسف، بل إنها كانت السبب الرئيسى والأخطر فى سلسلة الإهمال التى نتجت عنها هذه المأساة.. وهذا تحديدا ما يجعلنا (ندق) جرس إنذار مدوٍ يكشف عن خلل أعمق من مجرد واقعة فردية. فخلف هذا المشهد الحزين تختبئ أسئلة موجعة عن مستوى الكفاءة والخبرة داخل أروقة الاتحاد المصرى للسباحة، وعن قدرة القائمين عليه على إدارة منظومة يفترض أنها تحمى أبناءنا قبل أن تبحث عن البطولات والميداليات، فنحن هنا عندما نتحدث عن مسئولية لا نتحدث فقط عن فرد أو مدرب، بل عن منظومة كاملة يفترض أنها تعمل تحت إشراف الاتحاد المصرى للسباحة، وتخضع لقواعد فنية وأمنية صارمة. فوجود سباح داخل حمام سباحة أثناء تدريب أو بطولة يعنى أن هناك إجراءات واضحة للسلامة، وخطة طوارئ قد تم اتخاذها، وإشرافًا مباشرًا من مدربين مؤهلين ومنقذين معتمدين. وأى خلل فى هذه الحلقة يعنى نقص فى الخبرة، وخاصة أنها فى الألعاب المائية لاتعد رفاهية، بل مسألة حياة أو موت. فالمدرب قليل الخبرة قد لا يلاحظ علامات الإرهاق، أو ضيق التنفس، أو التشنج العضلي. والإدارى غير المتمرس قد يتهاون فى نسب الإشراف أو عدد المنقذين. والمنقذ غير المؤهل قد يتأخر ثوانى حاسمة، والثوانى فى الماء تعنى الفارق بين النجاة والغرق. تلك العناصر جميعها غابت بفعل فاعل مما نتج عنه مأساة ابننا يوسف، وهذا ما جعلنا نسأل عن قدرات وخبرات من يتولون إدارة شئون الرياضة فى مصر، هل يتم اختيار الأجهزة الفنية والإدارية بالكفاءة أم بالمجاملات؟ وهل هناك تفتيش دورى حقيقى على الإسعافات الأولية والإنقاذ؟ وهل توجد رقابة فعالة على الأندية وأماكن التدريب؟ لأننا نعلم أن فى جميع الدول التى تحترم الرياضة وتقدرها، لا يُسمح بإدارة أى نشاط مائى أو رياضى دون شهادات معتمدة، بحيث لا تُترك سلامة اللاعبين لتقديرات شخصية. أما عندما تختلط الرياضة بالمحاباة والفهلوية، وتُمنح المسئوليات لمن لا يملكون الخبرة الكافية، فإن النتيجة قد تكون كارثية.


من أجل ذلك ولغيره كثير، نستطيع أن نؤكد أن غرق يوسف لم يكن مجرد حادث يمكن طيه، ببيان عزاء أو حتى حكم قضائى (مع احترامى وتقديرى لجميع أحكام القضاء) بعد أن ثبت أن نقص الخبرة (وبمعنى أصح افتقادها من أصله) وعدم القدرة على تنظيم مسابقات رياضية، كانت السبب فى الوفاة، وهنا تصبح المسئولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، ويقع كاهلها على من يديرون الرياضة فى مصر. لأن حماية أرواح الرياضيين ليست خيارًا، بل واجب لا يقبل الخطأ أو التقصير. لذلك لابد من تقييم منظومة السلامة والتدريب الرياضية من أول وجديد، حتى لا تتحول أحلام شبابنا فى ممارسة الرياضة إلى كوابيس دائمة.


وهذا ما يجعلنا نطالب بصدور قانون رياضة شامل يبدأ بإعادة تقييم معايير اختيار القيادات، وتطوير برامج تدريب إدارى حقيقية، ووضع بروتوكولات سلامة ملزمة لا تقبل الاجتهاد. تتضمن الشفافية فى عرض نتائج التحقيقات، وتحمل المسئولية بوضوح، بعيدا عن جل من هب ودب وهواة الشهرة والوجاهة (وأصحاب شهادات ممارسة الرياضة المضروبة). وهذا ما يعد أول خطوة صحيحة نحو استعادة الثقة، قانون تنص مواده على ضرورة توافر الخبرة والممارسة الفعلية فى كل من يريد أن يتولى منصبا فى الأجهزة أو الاتحادات الرياضية، على أن يدرك من يتولى هذه المسئولية، إن أى اتحاد رياضى لا يُقاس نجاحه فقط بعدد بطولاته، بل بقدرته على حماية لاعبيه أولا وأخيرا، وإذا كانت سلامة اللاعبين ليست أولوية مطلقة لدى هذا المسئول أو ذاك، فإن المنظومة بأكملها تصبح فى موضع مساءلة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.


رحم الله ابننا يوسف،الذى نتمنى أن تكون وفاته أولى خطوات الإصلاح للرياضة المصرية، والتى لابد أن تبدأ بإعادة بناء منظومة القيادة من جذورها، على أساس الخبرة الحقيقية لا الأسماء اللامعة، وعلى أساس المساءلة لا المجاملة. حتى لا نبتلى بضحية أخرى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف
 

تم نسخ الرابط