محمد بكري.. حكاية شهيد جمع بين برّ الأم وواجب الوطن
في قرية نفيشة بمحافظة الإسماعيلية، حيث البيوت البسيطة والحياة الهادئة البعيدة عن صخب المدن، تعيش الحاجة سلطانة زيدان، سيدة سبعينية تبلغ من العمر 71 عامًا، تحمل في قلبها حكاية أم كافحت سنوات طويلة لتربي أبناءها وتغرس فيهم قيم العمل والشرف، قبل أن يكتب القدر لابنها أن يكون أحد شهداء الواجب.
لم تنل الحاجة سلطانة حظًا من التعليم، لكنها نجحت في أن تصنع أسرة متماسكة، فقد كرّست حياتها لتربية أبنائها الأربعة، خاصة بعد رحيل زوجها الذي ترك لها مسؤولية ثلاثة منهم، ورغم قسوة الظروف، أصرت على أن يكمل أبناؤها تعليمهم، وأن يكونوا سندًا لبعضهم البعض في مواجهة تحديات الحياة.
وكان محمد بكري، الابن الثاني للأسرة، يحمل منذ طفولته حلمًا واضحًا بأن يرتدي زي الشرطة، تتذكر الأسرة أن والده، حين كان محمد في السادسة من عمره، لبّى له طلبًا بسيطًا بشراء بدلة شرطة صغيرة، وكأنها كانت بداية طريق طويل نحو حلم لم يتخلّ عنه يومًا، حتى بعد رحيل الأب.
ومع ضيق الحال، لم يتراجع محمد عن حلم خدمة الوطن، فاختار طريقًا يقرّبه من هذا الهدف، والتحق بالعمل كأمين شرطة، مؤمنًا بأن الواجب لا يقاس بالمناصب بقدر ما يقاس بالإخلاص في أداء المهمة.
وفي الخامس من نوفمبر عام 2018، الذي وافق يوم ميلاده الحادي والأربعين، اجتمعت الأسرة في احتفال عائلي بسيط بحضور أشقائه الثلاثة، وفي ذلك اليوم، ساور والدته شعور غامض بالقلق، فتوسلت إليه ألا يذهب إلى عمله، لكن محمد رد بابتسامة هادئة قائلاً: “يصعب عليّ أن أرفض نداء الواجب.. فالوطن أولى”، ثم غادر المنزل متجهًا إلى عمله لتأمين إحدى الكنائس بمحافظة الإسماعيلية.
غير أن القدر كان يخبئ نهاية مختلفة لذلك اليوم، فقد تم استدعاء محمد للمشاركة في مداهمة أحد الأوكار الإرهابية بقرية جلبانة، وخلال تبادل إطلاق النار مع العناصر الإرهابية، ارتقى شهيدًا وهو يؤدي واجبه الوطني، مسطرًا بدمائه صفحة جديدة من صفحات التضحية في سبيل الوطن.
ترك الشهيد محمد بكري خلفه زوجة وأبناء صغارًا، وأمًا مسنة ما زالت تواجه الحياة بقلب صابر، كما ترك ذكرى لا تغيب عن أشقائه الذين يرون فيه نموذجًا للأخ المسؤول والإنسان المخلص.
وتروي شقيقته الكبرى فكرية بكري جانبًا من حياته قائلة: «محمد رحل بعدما اطمأن على شقيقاته، وساهم في زواج زينب وإيمان، وكان دائم الحرص على أن تبقى الأسرة مترابطة. غادر الحياة مطمئنًا، بعدما ترك خلفه من يكملون الطريق».
لم يكن محمد بكري مجرد رجل شرطة يؤدي عمله اليومي، بل كان إنسانًا حمل بين ضلوعه همّ الأسرة وواجب الوطن في آن واحد، واختار أن يضع مصلحة بلده فوق كل اعتبار. ورغم رحيله، تبقى قصته شاهدًا على معنى التضحية الحقيقية، وتبقى ذكراه حاضرة في قلوب كل من عرفه، كأحد أبناء هذا الوطن الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأمنه واستقراره.



