rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يعد الصراع العسكرى الدائر بين إسرائيل وإيران مجرد مواجهة إقليمية محدودة؛ بل تحوَّل إلى نموذج مبكر لما يمكن تسميته بحروب الجيل الجديد؛ حروب تتداخل فيها القوة الجوية التقليدية مع الطائرات المُسَيرة والصواريخ الباليستية والفضاء العسكرى والذكاء الاصطناعى؛ لتنشأ معادلة ردع مختلفة تمامًا عن تلك التى حكمت الشرق الأوسط طوال العقود الماضية. فالمشهد العسكرى الذى يتشكل اليوم فى المنطقة، فى ظل الحضور العسكرى المباشر وغير المباشر للولايات المتحدة الأمريكية، يشير بوضوح إلى انتقال الحرب من نطاق السيطرة الجوية التقليدية إلى فضاء أوسع تتحرك فيه المعركة بين الأرض والسماء والمدار الفضائى فى وقت واحد.


تاريخيًا؛ قامت معادلة الرّدع فى الشرق الأوسط على تفوُّق سلاح الجو الإسرائيلى، وهو تفوُّق لم يكن مجرد امتلاك لطائرات متقدمة؛ بل منظومة عملياتية كاملة تعتمد على التفوق التكنولوجى والاستخباراتى. وتمثل المقاتلة الشبحية إف-35 اليوم ذروة هذا التفوق؛ إذ تعمل كمنصة قتالية متعددة المهام تجمع بين الهجوم والاستطلاع والحرب الإلكترونية فى آن واحد، وتتيح لإسرائيل القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة بعيدة المدى داخل عمق المجال الاستراتيجى لخصومها. لكن هذا التفوق الجوى لم يَعد كافيًا وحده لضمان الردع؛ لأن طبيعة الحرب نفسها تغيرت.


فإيران، التى أدركت صعوبة مضاهاة إسرائيل فى سباق الطيران القتالى، اتجهت إلى بناء عقيدة عسكرية مختلفة تقوم على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المُسَيرة. وقد طورت طهران خلال العقدين الماضيين ترسانة صاروخية كبيرة تضم صواريخ باليستية متوسطة المدى مثل «سجيل» و«قيام-1»، وهى صواريخ قادرة على الوصول إلى مسافات تتجاوز ألفىّ كيلومتر. غير أن التحول الأكثر تأثيرًا لم يكن فى الصواريخ وحدها؛ بل فى دمجها مع أسراب الطائرات المُسَيرة منخفضة التكلفة التى يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة لإرباك الدفاعات الجوية.


هذا النمط من العمليات ظهَر بوضوح فى الهجمات التى تتعرض لها دول الخليج فى سياق هذه الحرب الإقليمية المتصاعدة. فقد أصبحت منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية فى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين أهدافًا محتملة فى إطار ما يشبه حرب الاستنزاف الاستراتيجية التى تعتمد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المُسَيرة. والهدف من هذه الهجمات لا يقتصر على تحقيق تأثير عسكرى مباشر؛ بل يمتد إلى إحداث اضطراب فى أسواق الطاقة العالمية وفرض ضغط اقتصادى وسياسى على دول الخليج أيضًا.


لكن التحول الأعمق فى طبيعة هذه الحرب يكمن فى انتقالها إلى المجال الفضائى. فالحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر الطائرات والصواريخ؛ بل أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية الفضائية التى تدير أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية. فالأقمار الصناعية توفر المعلومات الاستخباراتية الفورية، وتتيح توجيه الصواريخ والطائرات المُسَيرة بدقة عالية، كما تدير شبكات الاتصالات العسكرية عبر مسافات شاسعة. وتعتمد معظم العمليات العسكرية الحديثة على منظومات الملاحة الفضائية مثل نظام تحديد المواقع العالمى لتوجيه الأسلحة الدقيقة وإدارة حركة القوات.


وفى هذا السياق أصبح الفضاء نفسه ساحة للصراع الاستراتيجى. فالتشويش على إشارات الملاحة أو تعطيل الأقمار الصناعية أو اختراق شبكات الاتصالات الفضائية يمكن أن يعطل عمليات عسكرية كاملة.

 ولذلك تعمل القوى العسكرية الكبرى على تطوير قدرات للحرب الفضائية تشمل تقنيات الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية وأنظمة الذكاء الاصطناعى القادرة على تحليل البيانات الفضائية وإدارة المعركة فى الزمن الحقيقى.


إن إدماج الذكاء الاصطناعى فى منظومات القيادة والسيطرة يمثل أحد أبرز التحولات فى طبيعة الحروب المعاصرة. فالخوارزميات العسكرية المتقدمة باتت قادرة على تحليل صور الأقمار الصناعية، وتحديد الأهداف، وتوجيه الطائرات المُسَيّرة؛ بل وحتى اقتراح قرارات تكتيكية للقادة العسكريين. هذا التطور يعنى أن سرعة اتخاذ القرار فى الحرب أصبحت تعتمد بشكل متزايد على قدرة الأنظمة الرقمية على معالجة المعلومات وليس فقط على تقديرات القادة الميدانيين.


فى ضوء هذه التحولات يمكن القول إن الشرق الأوسط يشهد اليوم ميلاد معادلة ردع جديدة تتجاوز المفهوم التقليدى للقوة العسكرية. فالتفوق فى الطائرات المقاتلة أو امتلاك ترسانة صاروخية ضخمة لم يعد كافيًا وحده لضمان التفوق الاستراتيجى.. العنصر الحاسم أصبح القدرة على دمج التكنولوجيا المتقدمة- من الذكاء الاصطناعى إلى الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار- فى منظومة قتالية متكاملة تتحرك عبر مجالات متعددة فى الوقت نفسه.


وهكذا يتحول الصراع الدائر بين إسرائيل وإيران، وما يجرى من توترات تمتد إلى الخليج العربى، إلى مختبر مفتوح لحرب المستقبل. حرب تتحرك فى ثلاث طبقات متداخلة.الأرض حيث تعمل الصواريخ والمُسَيرات، والسماء حيث تتحرك المقاتلات الشبحية، والفضاء حيث تدير الأقمار الصناعية والأنظمة الذكية شبكة العمليات العسكرية. وفى مثل هذا العالم الجديد لم يعد الردع مجرد توازن فى القوة النارية، بل توازن فى القدرة التكنولوجية على إدارة الحرب نفسها.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط