فى عالم مشهد غير مسبوق بالتحولات السياسية والفكرية، يظل السؤال القديم المتجدد حاضرًا بقوة: ما هى حدود العلاقة بين الدين والدولة؟ وكيف يمكن للمجتمعات التى تمتلك جذورًا وموروثات دينية تاريخية أن تبنى فى الوقت نفسه دولة مدنية حديثة ترتكز على المواطنة والعدل والمساواة أمام القانون؟!
السؤال السابق، لم يَعد مجرد نقاش فكرى أو فلسفى بين المثقفين والمفكرين؛ بل أصبح قضية عملية تمس استقرار الدول وتماسُك المجتمعات. وذلك بَعد أن كشفت تجارب عديدة فى المنطقة الآن.. أن الخلط بين السُّلطة الدينية والسُّلطة السياسية قد يؤدى فى كثير من الأحيان إلى إضعاف مؤسّسات الدولة، وتقييد الحريات الشخصية، وإقصاء التنوع والتعددية داخل المجتمع.
إيران.. تجربة ملهمة..
أثبتت التجارب الحديثة أن الدولة المدنية المرتكزة على سيادة القانون واحترام حرية الاعتقاد.. تمثل الإطار الأكثر قدرة على إدارة المجتمعات المتنوعة؛ لكونها تضمَن المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية.
وفى هذا السياق؛ جاءت تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي حول الفرق بين «إسلام الفرد» و«إسلام الدولة» ليعيد طرح هذا النقاش فى المجال العام بالتأكيد على ضرورة التمييز بين التدين الشخصى الذى يخص علاقة الإنسان بربه، وبين طبيعة الدولة التى تضم مواطنين متنوعين فى معتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم.
الدولة.. فى مفهومها الحديث، ليست كيانًا دينيًا مُغلقًا، ولكنها فى حقيقتها إطارٌ قانونىٌ وسياسىٌ.. ينظم حياة المجتمع بشكل كامل. وهى مسئولة عن حماية حقوق جميع مواطنيها، بما فى ذلك حق كل إنسان فى اختيار معتقده بحرية.
ومن هنا يصبح مبدأ حرية الاعتقاد أحد الأعمدة الأساسية التى تقوم عليها الدولة المدنية.
التجارب الإقليمية خلال السنوات الأخيرة تقدم دروسًا ملهمة فى هذا السياق.. رأينا حين تتحول الدولة إلى سُلطة دينية، كيف تحتكر تفسير المعتقد الدينى حسبما يتوافق مع مصالح القائمين عليها؟! كما هو الحال مع إيران الآن بَعد ما يقرب من نصف قرن على ولاية الفقيه ودولة الملالى.
الحفاظ على التوازن بين احترام الدين وحماية الحريات الخاصة والعامة يمثل أحد أهم التحديات التى تواجه الدول المدنية الحديثة؛ خصوصًا فى المجتمعات التى تتميز بتعددها الدينى والثقافى مثل مصر. ومن هذا المنطلق يمكن فهم أهمية التأكيد المتكرر على مفهوم الدولة المدنية.. بوصفها الدولة التى تحترم الدين؛ ولكنها ليست دولة دينية. وتحمى حرية الاعتقاد؛ ولكنها لا تسمح بتحويل العقيدة إلى أداة للسيطرة السياسية.
تصريحات رئاسية..
فى هذا السياق؛ تكتسب كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي حول الفَرق بين «إسلام الفرد» و«إسلام الدولة» أهمية خاصة؛ لكونها تطرح بوضوح فكرة أن الدولة لا ترتكز على تصور دينى شخصى، بقدر ما ترتكز على منظومة المواطنة التى تجمع جميع أبناء مصر داخل إطار قانونى مدنى واحد. ولهذا من المهم قراءة نص الكلمة التى أثارت هذا النقاش. قال الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال تصريحاته فى الإفطار السنوى لطلاب أكاديمية الشرطة فى 8 مارس 2026: (أخطر حاجة تقابل أى أمّة الجهل بأى شىء حتى لو كان الجهل بالدين.. مش على قد إنك إنت يبقى عندك مشكلة مع ربنا سبحانه وتعالى.. لأ.. أنت هتبقى عندك مشكلة مع مجتمعك لأن أنت مش قادر تقدر الفرق كبير قوى بين إسلامك كفرد.. إنك تصلى وتصوم وتبقى رجل أو ست على خير.. وبين إنك أنت إسلام مجموعة أو إسلام دولة .. إسلام الدولة ده حاجة تانية.. الكلام اللى بقوله دا مفيش ناس كتير اتكلمت فيه.. إسلام الدولة دا مفيش ناس كتير اتكلمت فيه.. إسلام الدولة دا حاجة تانية.. الدولة فيها ناس مسلمة ومش مسلمة.. فيها ناس على خير وناس مش على خير.. وناس مؤمنة وناس مش مؤمنة.. هل الدولة معمولة لحد لوحده؟ الدولة معمولة لكل الناس حتى اللى مش مؤمنين؟ حتى اللى مش مؤمنين.. إذا كان ربنا يعنى سايبهم وبيرزقهم ومعملهمش حاجة.. إحنا كنا عايزين نعمل ممارسة دينية مناسبة تقدم فهمك للدين بشكل كويس)
تديين الدولة..
تُلقى التصريحات السابقة.. الضوءَ بوضوح على نقطة محورية فى فهم طبيعة الدولة المدنية الحديثة، وهى ضرورة التمييز بين المجال الدينى الخاص بكل مواطن، وبين المجال العام الذى تديره الدولة. التدين بطبيعته؛ علاقة شخصية بين الإنسان وربه، تتجسد فى العبادات والسلوك الأخلاقى والالتزام الدينى. أمّا الدولة فهى كيان قانونى وسياسى.. ينظم حياة المجتمع كله، والذى يضم مواطنين.. يختلفون فى معتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية. إن تحويل التدين الشخصى إلى مجال إدارة الدولة.. قد يَخلق إشكاليات مُعقدة جدًا؛ لأن الدولة المصرية لا تتعامل هنا مع جماعة متجانسة عقائديًا؛ بل مع مجتمع متنوع فى معتقداته ومتعدد فى رؤاه. ولهذا تكون القاعدة الحاكمة للدولة المدنية المصرية الحديثة، هى: القانون والمواطنة.. وليس الانتماء الدينى. وهى الفكرة التى أشار إليها الرئيس؛ انعكاسًا وإدراكًا لطبيعة المجتمعات المعاصرة، التى لم تَعد ترتكز على وحدة العقيدة؛ بقدر ما تقوم على وحدة الوطن.
منظومة المواطنة المصرية..
ترتكز الدولة الحديثة على منظومة المواطنة، وهو مبدأ.. يعنى أن جميع المواطنين متساوون فى الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الدين أو المعتقد أو الجندر أو الخلفية الاجتماعية. وهو ما أكد عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي فى أكثر من مناسبة.. معتبرًا أن قوة الدولة المصرية تكمن فى وحدة شعبها وتماسُك نسيجها المجتمعى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دعوته الشهيرة إلى تجديد الفكر الدينى خلال كلمته فى احتفالية الأزهر بالمولد النبوى سنة 2015؛ حيث دعا إلى مراجعة الأفكار التى تسهم فى نشر التطرف أو الصدام بين المجتمعات. كما قدّم الرئيس نموذجًا عمليًا لفكرة المواطنة من خلال حضوره السنوى لاحتفالات عيد الميلاد المجيد منذ سنة 2015 لتهنئة المواطنين المسيحيين المصريين بعيد الميلاد، مؤكدًا أن المواطنين المصريين.. نسيجٌ واحدٌ، وأن الاختلاف الدينى لا يمكن أن يكون سببًا للفرقة بين أبناء الوطن الواحد. وقد حملت هذه الزيارات رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة المصرية تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، وأن المواطنة هى الأساس الذى تقوم عليه العلاقة بين المجتمع والدولة.
حرية الاعتقاد.. مرتكز دستورى..
تمثل حرية الاعتقاد أحد أهم المبادئ التى تقوم عليها الدولة المدنية المصرية. الدساتير الحديثة تعتبر حرية الاعتقاد ضمن الحقوق السياسية المرتبطة بمظلة حقوق الإنسان؛ لأنها ترتبط بحرية الفكر والضمير. وقد نص الدستور المصرى بوضوح على أن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية. ويعكس هذا النص التزام الدولة بحماية التنوع والتعددية الدينية داخل المجتمع، وضمان أن يعيش جميع المواطنين فى إطار من الاحترام المتبادل.
إن حماية حرية الاعتقاد لا تمثل هنا- فقط مجرد- التزامًا قانونيًا؛ بل شرطًا أساسيًا للحفاظ على السلم الاجتماعى؛ لأن المجتمعات التى تحترم التنوع الدينى تكون أكثر قدرة على التعايش والاستقرار.
تجديد الفكر الدينى..
الحديث عن الدولة المدنية المصرية.. لم يأتِ بمعزل عن التحديات التى فرضتها موجة التطرف والإرهاب الذى شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية. وقد برزت تنظيمات متشددة مثل القاعدة وداعش؛ بهدف فرض رؤية دينية متشددة بالقوة، وهو ما أدى إلى صراعات دامية فى أكثر من دولة.. نشهد نتائجها الآن. وفى مواجهة هذه الظاهرة، أكد الرئيس السيسي أن المواجهة لا يمكن أن تكون أمنية فقط؛ بل يجب أن تكون فكرية أيضًا.. ولهذا دعا إلى تجديد الفكر الدينى.. بما يُعيد تقديم الدين باعتباره رسالة أخلاقية.. تدعو إلى الرحمة والتسامح.
دلالات الدولة الدينية..
تؤكد التجارب المعاصرة.. أن تحويل الدولة إلى كيان دينى مغلق، يؤدى إلى إضعاف المؤسّسات السياسية وتقييد الحريات الشخصية. ورأينا أنه عندما تحتكر السُّلطة تفسيرَ الدين؛ يصبح المجال العام عرضة للصراع بين التفسيرات المختلفة والمتناقضة والمتعارضة مع أصل العقيدة. ويُعد نموذج دولة إيران مثالاً بارزًا على هذا الجدل؛ حيث تقوم بنية النظام على مبدأ «ولاية الفقيه» الذى يمنح المؤسّسة الدينية دورًا سياسيًا مركزيًا. وهو ما أدى إلى الترويج لفكرة حدود السُّلطة الدينية وتأثيرها فى الحياة السياسية والحريات الخاصة والعامة.
هذه التجارب تُبرز التحديات التى قد تواجه الدول.. عندما تختلط السُّلطة الدينية بالسُّلطة السياسية، وهو ما يجعلنا نؤكد دائمًا.. أن فكرة الدولة المدنية أكثر قدرة على إدارة التنوع داخل المجتمعات المدنية الحديثة.
ليست ضد الدين..
الدولة المدنية ليست دولة معادية للدين أو ضده؛ بل هى دولة تحترم الدين وتحمى حرية ممارسته. وفى الوقت نفسه؛ تضمن أن تبقى السُّلطة السياسية مرتكزة على القانون والمؤسّسات.
وفى هذا السياق؛ يصبح مفهوم المواطنة هو الرابط الأساسى الذى يجمع المواطنين داخل الدولة؛ لأنه يمنح جميع المواطنين الحقوق نفسَها دون تمييز.
وهنا؛ يمكن فهم تأكيد الرئيس السيسي على أن «الدولة.. لكل الناس» باعتباره تعبيرًا عن رؤية ترى أن الدولة يجب أن تكون إطارًا جامعًا لكل المواطنين، وليست أداة لفرض معتقد معين عليهم.
نقطة ومن أول السطر..
الدولة القوية ليست تلك التى تفرض معتقدًا واحدًا على مواطنيها؛ بل تلك التى تحمى حق الجميع فى التفكير والاعتقاد، وتوفر لهم إطارًا قانونيًا عادلاً.. يضمن التعايش داخل مجتمع متعدد الأديان ومتنوع الأفكار ومستقر فى أمان.
الحل.. الدولة المدنية المصرية.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



