هل غاب الأب عمدا؟!.. أم أنه أكره على هذا الغياب؟!.. من هذه الفرضية طرحت الأعمال الدرامية قضية "الأب الغائب".. وانحازت بشكل لافت إلى قيمة وجود الأب في حياة أبنائه؛ طرح بعضها أشكال غياب الأب وأزمة عدم حضوره الجوهري؛ حتى ولو لم يكن موضوعها الأساسي يتمحور حول هذه العلاقة الشائكة إلا أن بعض الأعمال غير المعنية بالجانب الاجتماعي تناولت تلك القضية ربما بشكل أوفى وأعمق من نظيرتها التي اتخذت من الدراما الاجتماعية عنوانا عريضا لها.
حضر الأب بصفته قيمة محورية ورمزا للحماية والشعور بالأمان والطمأنينة بمجرد وجوده على قيد الحياة في شخصية "ناصر" إياد نصار في "صحاب الأرض"، تأليف عمار صبري؛ عن هذه العلاقة المتينة بينه وبين بناته برغم بعد المسافات وتعذر اللقاء والحضور المادي لكن مجرد بقائه على قيد الحياة يمثل قيمة كبرى لقدرتهن على تحمل فواجع القدر؛ حتى إنه تراجع عن حلم الخروج من غزة والهجرة إلى بلد أهدى بحثا عن حياة تضمن له الاستقرار بعد أن تعرضت ابنته الكبرى للاعتقال على يد جيش الاحتلال؛ فقرر البقاء في أرضه حتى ولو لم يجمعه مكان واحد بهن؛ بينما مجرد حضوره الرمزي ولو بمدينة قريبة كان كافيا لإحساسهن بالحماية والأمان.
تكرر نفس الحضور الرمزي ربما هنا حضر الأب بهيئته وجسده لكنه غاب بهويته في شخصية "عم زكي" بمسلسل "عين سحرية"، تأليف هشام هلال الذي يعد أكثر الأعمال الدرامية تميزا بعد "صحاب الأرض" و"حكاية نرجس"؛ في "عين سحرية"، لم تكن قصة غياب الأب الطويل عن حياة ابنته الوحيدة "بسمة" المحور الرئيسي لأحداث المسلسل بينما اتخذ منها المؤلف قيمة محورية في صنع الأحداث الأشد إثارة؛ عم "زكي" رجل غائب في حياة ابنته غيبته الأم بكذبة الموت بسبب سجنه لأعوام طوال؛ أرادت الأم أن تحتفظ لابنتها بصورة ذهنية محددة عن هذا الأب الغائب الذي لا تدري عنه شيئا حقيقيا؛ يظهر "زكي" بعد عشرين عاما محاولا التواصل مع ابنته الطبيبة النفسية في هيئة جديدة وهوية أخرى غير هويته الحقيقية؛ ويبدأ في "الفضفضة" معها عن أزمته في غيابه عن ابنته الوحيدة؛ يحاول حمايتها بالتلصص عليها دون أن تدري؛ تكون أبلغ لحظات صدقه وعفويته وانكساره وضعفه أمامها.
هذه الشخصية الدرامية شديدة الرمزية والعمق التي منحها المؤلف قيمة وثراء في أدق تفاصيلها وبالغ في هذه الدقة أداء الفنان الكبير باسم سمرة الذي تمكن من إثارة الغموض والريبة في نفس المشاهد ثم التعاطف والوقوع في حب أفعاله المتناقضة والتوحد مع أزماته المتعددة الفكرية والإنسانية؛ كانت ابنته هي الدافع الأكبر في رغبته لتبرئة ساحته من الجرائم التي وجهت إليه؛ وكذلك في رد اعتباره أمامها واستعادتها إلى حضنه من جديد؛ حضر أيضا بشكل رمزي وصورة أبوية مع البطل عصام عمر "عادل"؛ وهنا اعتمد هذا الحضور على شكل العلاقة المثالية بين الأب والابن فهو من أراه عالم غريب عليه وفتح عينيه على جانب آخر كان غافلا عنه؛ تبناه إنسانيا وبدأ في تشكيل وعيه ووجدانه بقيم جديدة وأنار ذهنه بأفكار البحث عن العدالة؛ كما اهتم نفس العمل بتبرئة ساحة الأب الحقيقي للبطل "عادل" الذي غيبه الموت وظل الابن كارها له وسيرته بسبب ما اقترفه من جرائم ظلت تلاحق هذا المسكين بعد وفاة ابيه.
اختار العمل الدرامي هنا أن يبرأ ساحة الأب المتوفي من جرائمه حتى يستعيده الابن في وجدانه من جديد؛ وكأنه يحيي قيمة النموذج والقدوة بداخله ليتحرر من شعور الخزي والعار الذي يلاحقه بسبب أبيه؛ ربما كسرت هذه التبرئة قيمة العلاقة الرمزية بين "عادل" و"عم زكي" إحياء ذكرى الأب الحقيقي أهال التراب على بحث عادل عن أب بديل كان أفضل أن يبقى المعنى بليغا في استعاضة "عادل" بهذا الأب البديل عن أبيه الفعلي الذي كان من المفترض أن يمثل له القدوة والنموذج الحقيقي ووجدهما في "زكي"؛ لكن يبدو أن العمل انحاز لبراءة الأب بشكل عام لمجرد أنه أب وكأننا ننحاز للمعنى المثالي للعلاقة بعيدا عن الاعتبارات الإنسانية التي تحكمها في بيئات اجتماعية متفرقة.
تناول العملان قيمة حضور الأب كقدوة ونموذج حتى في غيابه؛ وكما سبق وأن ذكرنا باعتباره رمز للقوة والحماية والشعور بالأمان وصاحب دور محوري في تشكيل الوعي والضمير؛ بمعالجات درامية شديدة العمق والحساسية لقيمة هذه العلاقة؛ كما استعرضا بدقة وعذوبة الشرخ النفسي الذي يحدثه غياب الأب سواء بشكل مادي أو معنوي؛ هذان العملان الأكثر قيمة وثقل على مستوى الكتابة والتمثيل والإخراج في طرح جانب من قضية "الأب الغائب".
بينما اتخذت أعمال أخرى من العلاقة الزوجية طرحا أساسيا لها مثل "كان يا ما كان"؛ "اثنين غيرنا"؛ "أب ولكن"؛ "المتر سمير"؛ "بابا وماما جيران"؛ هذه الأعمال اعتمدت بشكل حصري على تناول حالات الطلاق وما يسببه من تعمد لغياب "الأب" في حياة هؤلاء الأبناء وغالبا الأم هي السبب الرئيسي في تغيب الأب بانفصالها عنه؛ تفتعل أزمات كبرى وتسعى لتضخيم الأمور سواء بمهاراتها الفردية أو بتحريض من صديقة أو والدتها وتكرر مشهد "تبديد العفش" وقضية التمكين بأكثر من صورة في أعمال متفرقة لنفس القضية؛ "كان يا ما كان" قررت الزوجة الانفصال بالطلاق بسبب شعورها الدائم بالملل لم تفكر في شيء سوى خروجها من هذه العلاقة برغم عذوبة زوجها ومحبته الشديدة لها؛ تسببت في جرح نفسي عميق لابنتها التي تحيرت في نهاية العمل بينهما؛ فلم تتمكن من الاختيار لأنها تريد الحياة بين الاثنين.
وكذلك زوجة آسر ياسين في "اثنين غيرنا" تقرر الانفصال بالطلاق وحرمان الرجل من ابنه الوحيد؛ وكذلك "المتر سمير" لكن لأنه عمل كوميدي قد يحتمل المبالغة في أحداثه وافتعال الأزمات وقضايا الطلاق والمحاكم؛ بينما في "كان يا ما كان" افتعلت الزوجة كل الأزمات دون دوافع منطقية لم تشبع المؤلفة شيرين دياب شخصية الزوجة "الأم" بكتابة لها أبعاد واضحة؛ بدت شخصية ضعيفة لا يحركها شيء سوى اندفاعها وأهوائها الشخصية وتحريض أمها غير المبرر دائما؛ فقد نتقبل هذا التحريض غير المبرر والمبالغ فيه من الأم في عمل كوميدي مثل "المتر سمير" وضعف شخصية الزوجة بتضخيم الأمور وافتعال الأزمات مع الأخذ في الاعتبار أنه كتب على عجل أيضا سواء فيما يخص الجانب الكوميدي أو الاجتماعي الذي اتخذ من إقصاء الأب من حياة ابنته بالقانون مسارا له رغم أنه محام لا يهزم في تلك القضايا بالذات لكنه هزم أمام زوجته!
يتعرض مسلسل "أب ولكن" بشكل مباشر لإعادة طرح مناقشة قانون الرؤية وطرح قضية الاستضافة؛ أن تتحول هذه الرؤية إلى استضافة يومان في الأسبوع لضمان حق الأب في التواجد بالعشرة في حياة أبنائه؛ حيث أن بطل العمل سجنته زوجته بسبب النفقة ثم تتحايل على قانون الرؤية بالتلاعب للحجر عليه ومنعه من رؤية ابنته؛ برغم أهمية القضية التي يطرحها العمل الفني وحساسيتها الشديدة إلا أن هذا العمل على وجه التحديد جاء الأضعف على الإطلاق في تناول تلك القضية وإشكالية الطلاق والعلاقات الزوجية؛ الأضعف على مستوى الكتابة والتمثيل والإخراج؛ حولت المؤلفة والمخرجة ياسمين أحمد كامل هذه القضية من طرح درامي يحمل عبء احتمال التأثير في الواقع إلى معالجة هزلية؛ بدت المشاهد وكأنها لقطات لجزء من حملة توعية إعلانية بدور الأب وضرورة تواجده في حياة ابنته؛ معالجة غارقة في الميلودراما؛ فالأب مغلوب على أمره حائر ضعيف هائم على وجهه وتسعى المخرجة دائما لتحويله إلى "سوبر مان" بطل خارق في عين ابنته على طريقة أفلام الكارتون والزوجة ووالدتها "الساحرة الشريرة"؛ دراما عبثية لقضية حيوية وشائكة.
بينما يأتي "بابا وماما جيران"، ليتناول في إطار اجتماعي كوميدي نفس القضية بمعالجة أكثر اتزانا وأقل حدة وأكثر تشريحا للعلاقة الزوجية؛ يعيد هذا العمل البسيط تعريف الحب؛ أو بمعنى أكثر تفصيلا برغم اعتماده أيضا على المبالغات الكوميدية لصناعة مواقف وتحولات درامية في العلاقة الزوجية إلا أن المؤلفان محمد السوري وأنس النيلي كانا شديدا الحساسية في الكتابة عن هذه العلاقة القائمة بالأساس على قصة حب منذ الطفولة؛ لأن الأحبة في الأصل يسكنان في طابق واحد في شقتين متجاورتين؛ والطفلان هما نتاج هذا الحب؛ فهما تجسيد مادي لهذا الميثاق الغليظ؛ في إحدى المشاهد التي تحدثا فيها الطفلين إلى الطبيب النفسي يفصح كل منهما عن الطريقة الأمثل التي يحصلان بها على الحب والاهتمام من الأبوين الفتاة ترى أن تفوقها الدراسي الوسيلة الأمثل كي تكون محبوبة والولد يرى أن اهماله وسعيه إلى لفت النظر قد يجعله الأكثر إثارة للانتباه، وبالتالي سيحصل على اهتمام الأب والأم؛ وكأنهما يتنافسان على كسب الحب منهما لكن كلا بطريقته.
وفي المقابل يتشاجر الزوجان ويقعا في إشكالية الطلاق والمحاكم ثم محاولات ومطاردات كوميدية للعودة؛ وذلك برغم سوء معاملة والدة الزوج لطليقته وسعيها الحثيث لإفساد كل محاولات الرجوع بينهما؛ تناول العمل أزمة ما بعد الطلاق بذكاء وموضوعية وكان العنصر الأبرز في مناقشة تلك القضية بإعادة تذكير الأزواج بماهية الحب وقيمته؛ والأثر النفسي البالغ الذي يتسبب فيه نزع هذا الحب من الأبناء وكأن العمل يعيد صياغة ما قاله ايريك فروم في تعريفه للحب في صورة درامية.. "تتمثل ماهية الحب في العمل من أجل شيء لكي ينمو ويزدهر؛ فالحب والعمل لا ينفصلان؛ الحب حل وجودي لتخوف الإنسان الدائم من شعوره بالوحدة والانفصال؛ وهذا الخوف يدفع إلى الاتحاد مع شريك آخر يستطيع معه مواجهة تلك المخاوف".



