rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

(حكاية نرجس).. عندما تصنع التفاصيل الصغيرة دراما كبيرة

مسلسل (حكاية نرجس)
مسلسل (حكاية نرجس)

في ندوة أقيمت في نقابة الصحفيين عقب الانتهاء من عرض مسلسل (صحاب الأرض) استدعى مؤلف المسلسل "عمار صبري" -الذي هو ذاته مؤلف حكاية نرجس- واقعة إنسانية وقعت خلال حرب غزة، رواها له أحد أصدقائه، ليوضح من خلالها الفارق بين طريقة تناول الخبر في نشرات الأخبار وبين الدراما.

 

 والقصة ببساطة أن أمًا كانت تُحضّر العشاء في منزلها، ودار بينها وبين ابنتها خلاف عابر، انتهى سريعًا بالصلح، فتحت الأم ذراعيها لتضم ابنتها لكن قصفًا صاروخيًا باغت المنزل فجأة، فاستشهدت الابنة وتسعة آخرون من الأسرة، بينما نجت الأم وحدها، لتظل في المستشفى تتساءل: لماذا عشت؟ ولماذا أخذ الصاروخ ابنتي قبل أن أضمها إلى صدري لتتأكد قبل رحيلها من أني سامحتها، وأنه لا أثر لخلاف بيننا؟ 

وإذا كانت نشرات الأخبار قد اكتفت بجملة قصيرة: استشهاد عشرة أشخاص من منزل واحد، فإن الدراما لا بد أن ترى ما وراء الرقم، ترى الحضن الذي لم يتم، والصلح الذي لم يكتمل، والحياة التي لم تُعش، وربما تكون هذه القصة التي رواها "عمار صبري" قد لخصت سر نجاحه  في كتابة الدراما التليفزيونية، والتي تكمن في قدرته على التقاط اللحظة الإنسانية الصغيرة التي تحوّل الحكاية من خبر عابر إلى قصة تمس القلب، وهو ما تجلى بوضوح في مسلسل (حكاية نرجس) المأخوذ عن قصة حقيقية لسيدة تُدعى "عزيزة" وهي حكاية تناولتها الصحف، وتداولها كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، ومع ذلك، تابع الجمهور المسلسل بشغف، ليس لمعرفة القصة، بل مشاهدة كيف ستُروى، فالدراما هنا لا تعتمد على المفاجأة بقدر اعتمادها على طريقة السرد.

 

وإذا كانت الكتابة المحكمة، والسيناريو المدروس يشكلان عصب المسلسل، فإن الإخراج لعب دورًا لا يقل أهمية في إبراز كل جماليات السيناريو، فقد أضاف المخرج "سامح علاء" بصمة بصرية لافتة، أبرز من خلالها مشاعر أبطاله بزوايا تصوير مدروسة ومعبرة، واعتمد فيها على تنويعات الإضاءة -التي هي أحد أبطال العمل- ما أضفى على المسلسل طابعًا بصريًا خاصًا.

 

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فالمسلسل أشبه بمباراة في التعبير عن المشاعر، دون ضجيج أو افتعال، حيث تقدم "ريهام عبد الغفور" شخصية "نرجس" الشريرة بملامح يغلفها قدر كبير من البراءة، لتخلق خليطًا معقدًا من المشاعر المتناقضة لدى الجمهور، الذي يتعاطف مع رغبتها في الأمومة لكنه في نفس الوقت رافضًا للطريقة التي تحاول أن تحقق بها هذه الرغبة، يخاف من شرها ومكرها، لكنه يخاف أكثر من أن ينفضح أمرها، كل هذا بفضل الصدق الذي تحلت به "ريهام" وقدرتها الشديدة على فهم الشخصية، حتى نكاد ننسى أننا نشاهد "ريهام عبد الغفور" ونصدق أننا أمام امرأة اسمها "نرجس"   

وفي المقابل، يقدّم "حمزة العيلي" شخصية "عوني" الرجل المنكسر الذي تركت إعاقته ومعاملة أمه أثرًا عميقًا في نفسه، فأصبحت شخصيته متعطشة للحنان، فتنطق عيونه بما يعجز صوته أحيانًا عن قوله، مما يظهر اهتزازه النفسي بكل وضوح، وإذا أردنا الإنصاف فإن "حمزة" يستحق عن هذا الدور لقب رائد مدرسة السهل الممتنع. 

 

أما "أحمد عزمي" فيستكمل من خلال شخصية "كمال" عودته القوية للدراما بعد غياب لسنوات لم يتمكن أحد فيها من ملء الفراغ الذي تركه، وفي (حكاية نرجس) يقدّم نموذج الرجل الذي يبدو متحكمًا في شقيقه، لكن هذا التحكم في حقيقته نابع من خوف وقلق أكثر منه رغبة في السيطرة، ولعل من أهم عناصر قوة أدائه تلك الملامح القادرة على نقل المشاعر بكل صدق، فلا يمر مشهد واحد يظهر فيه مرور الكرام.

ومن أهم مفاتيح فهم شخصية "نرجس" نفسها، تلك العلاقة المضطربة مع أمها التي تقدمها "سماح أنور" أم متسلطة، سليطة اللسان، لا يتقبلها الشارع ولا الجيران، ويمتد أثرها إلى التكوين النفسي لبناتها، فبينما تبدو الابنة الكبرى ضعيفة ومهزوزة، تتحول "نرجس" إلى إنسانة تشعر بالنقص وعدم التقبل، بينما تتحول أختها الصغرى "هدى" التي قامت بدورها الموهوبة "بسنت أبو باشا" إلى كتلة من المكر والجحود، ولعل هذا يفسر الرغبة الملحة لديها في الهروب من هذا البيت حتى لو كانت النتيجة الوقوع في براثن شيطان اسمه "سعد" قام بدوره الفنان "تامر نبيل" بقدرة فائقة على التقمص تضعه في مصاف النجوم.

أما الموسيقى التصويرية، وكلمات تتر المسلسل بصوت "رحمة رياض" والتي تقول (تستنوا إيه من حد عشتوا طول حياتكم بتوجعوه؟..من حد كل ما يلقى نفسه تضيعوه.. بتجبروه ويغلط وبعدين تلعنوه؟) فتبدو من الوهلة الأولى وكأنها تلخص مأساة الشخصية

 

في النهاية، لا يبدو (حكاية نرجس) مجرد مسلسل مأخوذ من واقعة حقيقية، بل درس متكامل في التمثيل والإخراج، جعلت المشاهد يرى نفسه في الشخصيات، ويصدق أن الدراما ما زالت قادرة على ملامسة القلب والوجدان.

 

تم نسخ الرابط