ذكرتني أحاديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وظهوره الإعلامي خلال الحرب التي شنها مع حليفته إسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالرئيس الليبي الراحل "معمر القذافي"، خلال أحاديثه وظهوره الإعلامى إبان الثورة الليبية التي اندلعت ضد نظامه في فبراير 2011، والتي قُتل خلال أحداثها في أكتوبر من العام ذاته.
ففي العموم اشتهر "القذافي" بمواقفه وخطاباته غير التقليدية – الارتجالية في غالبيتها - التي أثارت الضحك والسخرية في كثير من الأحيان، وظلت مشاهده مادة للفكاهة؛ فانتشرت مقاطع لأحاديثه تحت مسميات طريفة وكوميدية، كما ظلت أيضاً مادة للتوثيق كــ"غرائب" في السياسة العربية، ووصفته الكثير من الكتابات بأنه من أغرب الحكام بسبب تصرفاته وأحاديثه في القمم العربية والمحافل الدولية.
وعلى وجه الخصوص تميز ظهوره أثناء الثورة المشار إليها بالتحدي والخطابات الحماسية، ولعل ظهوره في فبراير2011 من أمام منزله في باب العزيزية بطرابلس مرتدياً ملابس رثة، وألقى الخطاب الشهير الذي هدد فيه بـتطهير ليبيا "شبر شبر، دار دار، زنقة زنقة" خير دليل على ذلك، كما أكثر في خطاباته أثناء تلك الثورة من اللهجة الحادة التي هدد فيها المتظاهرين ووصفهم بـ"الجرذان" و"العملاء" و"المغرر بهم".
وفي المقابل تتميز خطابات "دونالد ترامب" بأسلوب ساخر ولاذع يثير تفاعلاً واسعاً لدى الكثيرين، إذ يسخر – كثيراً- من خصومه السياسيين ومن المحتجين ضده وضد إدارته، مستخدماً نكاتاً وحركات مسرحية، كما يطلق تصريحات مثيرة للجدل مثل: سخريته من بعض الرؤساء، وتهديداته بإبادة حضارات بأكملها، مما يجعله محط سخرية وانتقاد، كما لا يفوته الهجوم على الإعلام والمعارضين واصفاً إياهم بــ "الخاسرين"، وهنا يرى البعض أن ذلك الأسلوب جزء من استراتيجيته للتواصل المباشر مع جمهوره، وأن تلك الاستراتيجية غالباً ما تؤدي إلى زيادة الاستقطاب والانقسام الداخلي.
وخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وصفت أحاديث ترامب وتدويناته بالــ "مدهشة"، ذلك أنها مُلئت بالحديث عن بطولاته هو وجيشه وقادته والحديث عن صولاته وجولاته وحديثه المتواصل عن قضائه على إيران وهزيمتها هزيمة ساحقة وإنهاء مشروعها النووي، واستغلاله فرصة نجاح عملية إنقاذ الطيار الأمريكي بإيران ليضفي عليها صبغة دينية، ووصفها بأنها "معجزة عيد القيامة"، كذلك امتلأت خطاباته بتناقضات غير مسبوقة، يقول "الجملة وعكسها"، بالإضافة إلى استعراضه "العضلات الأمريكية"، والحديث عن قدراته التدميرية، وكيف أنه يستطيع تدمير كل الجسور ومحطات توليد الكهرباء في إيران خلال "أربع ساعات"، وحديثه عن جيشه وعدم وجود من يملك الجيش ولا المعدات العسكرية التي تمتلكها أمريكا، واعتياده على الردود غير الاخلاقية على أسئلة الصحفيين مثل رده على سؤال من أحدهم مفاده: كيف لا يعد استهداف البنية التحتية الإيرانية جريمة حرب؟ بقوله: "لأنهم حيوانات".
وإذا عدنا بأدراجنا إلى "القذافي" نجد أن الاعلاميين في أحاديثهم عنه- قديماً وحديثاً - يستخدمون كثيراً عبارة: أنه مصاب بــ"جنون العظمة"، كما نجد - أيضاً- أن الكثير من المحللين السياسيين والنفسيين – على نطاق واسع – ينظرون إلى "ترامب" على أنه مصاب بنفس الجنون، مع العلم أن عبارة - جنون العظمة - ليست مصطلحاً نفسياً؛ إذ ليس هناك اضطراب مدرج في قائمة الاضطرابات النفسية يُسمى "جنون العظمة"، وبالتالي فهو مصطلح إعلامي أكثر منه مصطلحاً علمياً.
أما مصطلح النرجسية، وما يشير إليه في علم النفس كحالة مرضية يتميز المصاب بها بنمط مستمر من العظمة، والحاجة الملحة للإعجاب، ونقص التعاطف، واستغلال الآخرين لتحقيق مآرب شخصية دون الشعور بالذنب، وغياب التعاطف، والغرور والتعجرف فهو المصطلح الأقرب لشخصية الرجلين.
ففى الوقت الذي يرى فيه الكثير من المحللين أن "القذافي" كان يتمتع بوعي زائد وثقافة عاليه مع بعض من "جنون العظمة"، يشير آخرون إلى أن شخصية "القذافي" النفسية كانت تتميز بنرجسية عالية وغرور، وأنها وصلت لحد مرتفع من النرجسية دفعت به لحد "الوهم" بعلو ذاته عن البشر؛ مستشهدين بأنه كان يطلق على نفسه ألقاباً كثيرة مثل: "عميد الحكام العرب، وملك ملوك إفريقيا، وصاحب النظرية العالمية الثالثة، والمناضل"، ويكرر عن خصومه عبارات استنكارية مثل عبارته الشهيرة "من أنتم" في حديثة للمتظاهرين المناهضين لنظامه، ومستشهدين كذلك بأنه كان يطلق على ليبيا "الدولة العظمى" على اعتبار أنها تُضاهي مصاف الدول العظمى بسبب حكمه لها، كما ظهرت معالم نرجسيته في شعوره بالفخر والاعتداد بنفسه؛ فهو أكثر حاكم اعتنى بهندامه حتى أطلق عليه بعض الساخرين لقب "الفائز بجائزة عارض الأزياء"، رغم أنه كان يتظاهر- دائماً- بخلاف ما هو عليه من مشاعر الكبر، كأن يسكن الخيمة ويسمي نفسه بــ"الأخ القائد"، أو "العقيد" لإظهار مدى تواضعه.
أما الرئيس "ترامب" فيتصرف بشكل غير متوقع ومتقلب، و كأن عقدة نفسية باطنية تدفعه للتصرف بهذه الطريقة؛ فهو يرى نفسه أقوى رجل في العالم، ويستغل تلك السلطة بشكل قوي؛ فيثير اضطرابات في جميع أنحاء العالم، مما حدا بالكثير من علماء النفس أن يصفوه بـــ "شخصية نرجسية نموذجية"، ويرونها تتجلى في شخصيته وسلوكه بشكل واضح؛ فمهاجمته لإيران أملاً في تحقيق نصر سريع، تعد دليلاً واضحاً على تصرفاته النرجسية التي ما زالت تفاجئ العالم على مدى الأيام بدون انقطاع، وكأنه يحتاج بشكل متواصل لإثبات أنه الأقوى في العالم.
لكن ميوله للعظمة والإعجاب بنفسه انعكست على أدائه وسياساته؛ إذ جعلت منه أول رئيس أمريكي متقلب، وغير ثابت في آرائه، وعاجز عن اتباع استراتيجيات طويلة الأمد بسبب أن شخصيته أو نفسيته لا يحدوها الصبر والعمل المتواصل غير المنقطع والدراسة المتعمقة لمشاكل المجتمع الأمريكي أو غير الأمريكي.
وتشير الدراسات التاريخية ودراسات علم النفس السياسى إلى أن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يذخر برؤساء آخرين ظهرت عليهم تلك العلامات "النرجسية"، ومن أشهر هؤلاء الذين أظهروا سمات نرجسية عالية: ليندون جونسون (1963-1969) الذي يذكر في تحليلات الشخصية كأحد أكثر الرؤساء نرجسية، وأندرو جاكسون (1829-1837) الذي اشتهر بصلابته وثقته المطلقة بنفسه، وريتشارد نيكسون (1969-1974) الذي أظهر سمات شك ونرجسية في إدارة السلطة، بيل كلينتون (1993-2001) الذي أشار بعض المحللين إلى سمات نرجسية في شخصيته السياسية، وجيمي كارتر (1977-1981) الذي أشير إلى كثرة تباهيه بالذات.
خلاصة القول إن الدراسات التاريخية أثبتت وجود الكثير من القادة "النرجسيين" في العالم - قديماً وحديثاً - أمثال من تقدم ذكرهم، وكذلك أمثال الزعيم الألماني "أدولف هتلر" الذي يعد نموذجا تاريخيا للقائد النرجسي الذي قادت نرجسيته لتدمير واسع، وإن كانت تلك الدراسات تصف نرجسية "دونالد ترامب" بـ"الاستثنائية".



