التاريخ لن يمحوه خسارة أو هبوطا
كيف سيحول الإسماعيلى محنته إلى منحة؟!
لم يكن هبوط النادى الإسماعيلى إلى دورى الدرجة الثانية مجرد نتيجة مباراة خسرها الفريق؛ أو موسم سيئ مرّ على جماهير الدراويش ثم انتهى الأمر؛ ولكنه كان لحظة قاسية على الكرة المصرية كلها؛ وعلى كل من يعرف قيمة هذا النادى الكبير؛ الذى ظل لعقود طويلة واحدًا من أهم القلاع الرياضية فى مصر وأفريقيا؛ وكان دائمًا الضلع الثالث فى مثلث الكبار إلى جانب الأهلى والزمالك.
النادى الإسماعيلى يحمل شخصية مختلفة؛ وروحًا خاصة جعلته نادى المتعة والمهارة؛ وصاحب جماهيرية كبيرة؛ الإسماعيلى ليس مجرد فريق كرة قدم ولكن حالة عشق كاملة؛ وجزء من ذاكرة الكرة المصرية والعربية.
الدراويش صنعوا أمجادًا كبيرة؛ وحققوا بطولة أفريقيا عام تسعة وستين؛ وقدموا أجيالاً تاريخية من النجوم الذين سطروا أسماءهم بحروف من ذهب؛ ولا يمكن أن ينظر إلى هبوطه على أنه حدث عابر أو مجرد سقوط رياضى طبيعى؛ بل هو جرس إنذار قوى لكل من يحب هذا الكيان العريق.
دوامة طويلة
الإسماعيلى لم يسقط فى الأزمات فى يوم وليلة؛ ولم يتعرض للهبوط بسبب مباراة واحدة؛ ولكنه دخل فى دوامة طويلة من الأزمات الإدارية والمالية والفنية تراكمت عامًا بعد عام؛ حتى وصل النادى إلى هذه اللحظة الصعبة. وخلال السنوات الماضية عانى الدراويش من عدم الاستقرار الإدارى وتغيير المجالس المتكرر؛ ودخل النادى فى صراعات كثيرة؛ أثرت على الفريق وعلى القرارات المهمة؛ كما واجه أزمات مالية ضخمة جعلته غير قادر على تدعيم صفوفه بالشكل المطلوب؛ أو الحفاظ على نجومه فخرجت مواهب كثيرة من النادى دون تعويض حقيقى.
وتراجعت القدرة على بناء فريق قوى ينافس على البطولات؛ وساهمت كثرة إيقاف القيد والعقوبات المتعلقة بالمستحقات المالية فى صعوبة موقفه؛ وجعلت النادى يتحرك فى دائرة مغلقة لا تسمح له بالتطور أو حتى التقاط الأنفاس.
الأخطاء الفنية
عانى الدراويش خلال المواسم الماضية من غياب مشروع كروى واضح للنادى، فتعاقب المدربون بسرعة كبيرة وغابت الرؤية واستمرت سياسة المسكنات دون معالجة حقيقية للمشاكل، وكل موسم يدخل معركة الهروب من الهبوط حتى جاء الموسم الحالى الذى دفع فيه الإسماعيلى الثمن كاملا؛ بعدما أصبحت النتائج السلبية جزءا من المشهد؛ وفقد الفريق شخصيته داخل الملعب؛ وازدادت الضغوط على اللاعبين الشباب؛ الذين وجدوا أنفسهم فى مواجهة جماهير غاضبة وظروف صعبة وإمكانيات محدودة؛ فكانت النهاية المؤلمة التى لم يتخيلها أحد قبل سنوات قليلة.
دوامة الهبوط
ورغم قسوة المشهد فإن تاريخ كرة القدم يعلمنا أن الأندية الكبيرة لا تموت؛ وأن الجماهيرية الحقيقية تظهر وقت الأزمات لا وقت الانتصارات فقط؛ فكم من أندية جماهيرية كبيرة مرت بظروف مشابهة ثم عادت أقوى مما كانت، فهناك أندية فى مصر وخارجها سقطت إلى درجات أدنى ثم استعادت مكانتها؛ بسبب التفاف جماهيرها ووعى إداراتها وتمسك اللاعبين باسم النادى وشعاره.
الهبوط ليس نهاية العالم؛ ولكنه قد يكون بداية جديدة؛ إذا تم التعامل معه بعقلية مختلفة؛ وبخطة حقيقية لإنقاذ هذا الكيان الكبير.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى تكاتف الجميع دون استثناء؛ وتحتاج إلى وقفة صادقة من جماهير الإسماعيلى التى كانت دائما السند الحقيقى للفريق فى أصعب اللحظات؛ فالجمهور الآن مطالب بأن يكون جزءا من الحل لا أن يتحول إلى عنصر ضغط إضافى على اللاعبين الشباب؛ الذين يحتاجون إلى الدعم والثقة أكثر من أى وقت مضى؛ فاللاعب عندما يشعر أن الجماهير تؤمن به؛ يقاتل داخل الملعب بروح مختلفة؛ ويستطيع تجاوز الأزمات أما اذا شعر بالهجوم المستمر واليأس فانه يفقد الثقة ويتراجع مستواه مهما كانت موهبته؛ ولذلك فان الرسالة الأهم الآن هى أن الإسماعيلى أكبر من الهبوط؛ وأن الفريق يحتاج إلى روح الدراويش الحقيقية التى طالما صنعت المعجزات.
مجالس الإدارات
مجلس الإدارة الحالى أمام مسئولية تاريخية لا تقبل المجاملات أو الحسابات، فالجماهير لم تعد تستمع للوعود؛ ولكنها تطالب بخطة واضحة تعيد بناء النادى من جديد؛ بداية من حل الأزمات المالية والتعامل مع ملفات الديون والمستحقات؛ وبناء فريق قادر على العودة السريعة إلى الدورى الممتاز مع الاعتماد على العناصر المخلصة القادرة على تحمل المسئولية.
جماهيرية الإسماعيلى
وعلى اللاعبين أن يدركوا أنهم أمام فرصة لصناعة تاريخ، فالهبوط رغم أنه يمثل صدمة لعشاق الإسماعيلى، لكنه اختبار حقيقى للشخصية والرجولة والانتماء، فاللاعب الذى يقاتل من أجل عودة الدراويش لنجوميته سيظل اسمه محفورا فى قلوب الجماهير لسنوات طويلة.
فالعودة إلى دورى الأضواء والشهرة ليست مستحيلة؛ بل يمكن تحقيقها إذا توافرت الإرادة والعمل الجاد، فالنادى الإسماعيلى يملك قاعدة كبيرة من الناشئين، والخبرات والكوادر الفنية من أبنائه القادرة على انتشال النادى من كبوته ولكن تحتاج إلى التخطيط الجيد والمساعدة والتكاتف من الجميع حتى يعود الدراويش إلى المكان الذى يستحقونه بين الكبار.
«السمسمية»
وسيظل الإسماعيلى رغم كل شيء واحدًا من أعظم أندية الكرة المصرية، وسيبقى اسمه مرتبطا بالمتعة والإبداع والجماهيرية والتاريخ، والرسالة التى يجب أن تصل إلى كل مشجع إسمعلاوى اليوم؛ هى أن السقوط والكبوات شىء طبيعيا للفرق، لكن الاستسلام مرفوض وأن طريق العودة لأمجاده السابقة؛ يبدأ من الإيمان بأن الدراويش قادرون على النهوض مرة أخرى.

نقلاً عن مجلة روزاليوسف



