بـ20 جنيها فقط.. "عم حسن" يكتب حكاية كفاح امتدت نصف قرن بين الرضا والعمل
على أحد الأرصفة البسيطة، وبين أكوام الجرجير والبقدونس والخص والليمون، يجلس عم حسن، الرجل الذي تجاوز الثانية والستين من عمره، بابتسامة هادئة ووجه يحمل ملامح سنوات طويلة من الكفاح والرضا. لم يكن يعلم حين بدأ رحلته أواخر سبعينيات القرن الماضي أن مبلغًا لا يتجاوز 20 جنيهًا سيكون نقطة الانطلاق لقصة عمر كاملة.
في ذلك الوقت، لم يبحث عم حسن عن وظيفة مرموقة أو فرصة استثنائية، بل قرر أن يبدأ بما يملك، حيث اشترى كمية بسيطة من الخضروات شملت الجرجير والخص والبقدونس والكزبرة والبصل الأخضر والليمون، ووقف يبيعها للناس، واضعًا أول حجر في مشروع صغير نما مع الأيام بعرق صاحبه وصبره.
ومع مرور السنوات، لم يكن هدفه مجرد تحقيق دخل يومي، بل كان يحلم بتكوين أسرة مستقرة. ادخر من رزقه القليل حتى تمكن من الزواج في أوائل الثمانينيات، إلا أن رحلة الصبر لم تتوقف عند هذا الحد، إذ انتظر وزوجته 18 عامًا كاملة قبل أن يرزقهما الله بطفلهما الأول، ثم الثاني بعد ذلك.
ورغم قسوة الانتظار، لم يفقد الرجل إيمانه أو رضاه، بل جعل من تجربته درسًا في الصبر والتسليم بقضاء الله. وعندما كبر أبناؤه، حرص على إلحاقهم بالتعليم الأزهري، إيمانًا منه بأهمية التربية الدينية والأخلاقية إلى جانب التعليم.
يقول عم حسن: "كنت نفسي أولادي يطلعوا رجالًا يعرفوا ربنا، ويرضوا بقضائه، ويقدروا يتحملوا مسؤولية الحياة، ويبروا والديهم. ده كان هدفي الحقيقي، وأعتبره رسالتي في الدنيا."
وبينما يواصل ترتيب بضاعته كل صباح، يتحدث عن فلسفته البسيطة في الحياة، مؤكدًا أن الرضا هو سر السعادة الحقيقية.
ويضيف: "أنا راضي بحالي وبحياتي وبالرزق اللي ربنا كاتبه لي. الحمد لله، رزقي بيكفيني ومخلينيش أحتاج أسأل حد. ما بطلبش العون إلا من ربنا، وهو وحده القادر على إعانتي وتيسير أموري."
ورغم سنوات العمل الطويلة، ما زال عم حسن يحتفظ بنفس الحماس الذي بدأ به مشروعه الصغير قبل عقود، مؤمنًا بأن العمل الشريف هو الطريق الحقيقي للحياة الكريمة.
وفي نهاية حديثه، يوجه رسالة مباشرة إلى الشباب الباحثين عن فرصة عمل أو بداية جديدة، قائلًا:
"ابدأ بما تملك، ولا تجعل الخوف أو قلة الإمكانيات حجة للتوقف. كل مشروع كبير بدأ بخطوة صغيرة، والأهم أن تبدأ وتسعى، وربنا هيكرمك."
هكذا تظل قصة عم حسن نموذجًا بسيطًا لكنه ملهم، يؤكد أن النجاح لا يُقاس بحجم رأس المال، بل بالإرادة والصبر والرضا، وأن عشرين جنيهًا فقط قد تكون بداية رحلة تمتد لأكثر من أربعة عقود من الكفاح والكرامة.



