الألباستر.. حجر النور الذي أنار المعابد وصمد لـ7 آلاف عام
في قلب الجبال الغربية للأقصر، وعلى مسافة غير بعيدة من وادي الملوك، يولد حجرٌ لا يشبه غيره. حجر شفاف، دافئ الملمس، يحمل في داخله سر الضوء، ويختزن بين طبقاته حكاية حضارة لم تنطفئ منذ آلاف السنين. إنه الألباستر، مهنة ضاربة في عمق التاريخ، بدأت مع قدماء المصريين وما زالت تنبض بالحياة حتى اليوم.
عرف المصري القديم الألباستر كأحد أهم الأحجار المستخدمة في الإنارة قبل اكتشاف وسائل الضوء الحديثة؛ فبمجرد وضع الشمعة أسفل الحجر، كان الضوء ينتشر في المكان بانسيابية مدهشة، قادرًا على إضاءة مساحات واسعة بنور هادئ يخطف الأبصار، ليصبح الألباستر رمزًا للجمال والوظيفة في آنٍ واحد.
وتؤكد الشواهد الأثرية أن استخدام الألباستر يعود إلى أكثر من 7000 عام، وهو ما يبرزه المتحف المصري الكبير الذي يضم 35 إناءً للملك توت عنخ آمون مصنوعة بالكامل من حجر الألباستر، في دلالة واضحة على قيمته الفنية والدينية لدى الفراعنة.
من باطن الجبل إلى أيقونة فنية
يقول محمد، صاحب أحد مصانع الألباستر: “أحجار الألباستر بنطلعها من باطن الجبل، تحديدًا على بعد 25 كيلومترًا من منطقة وادي الملوك. الأحجار بتتشال على ظهور الحمير أو الجمال، وبتمشي رحلة طويلة لحد ما توصل للمصانع”.
رحلة شاقة تبدأ من الجبل، لكنها لا تنتهي إلا بعد عبور مراحل دقيقة من الحرفة اليدوية، حيث تتحول الكتل الصماء إلى أشكال فنية مألوفة مثل الفازات، المسلات، الأهرامات، والطفايات، وكل قطعة تحمل بصمة الصانع وخبرته.
مراحل صناعة الصبر والدقة
تبدأ عملية التصنيع بمرحلة تشكيل الفورمة، وهي من أصعب المراحل، حيث يتم الدق على الحجر بمطرقة مصنوعة من الحديد، في عملية تستغرق ما بين 4 إلى 7 ساعات متواصلة لتحديد الشكل الأساسي للقطعة.
بعدها يُغلف الشكل بالقماش والغراء، في خطوة ضرورية لحمايته من الكسر خلال المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التفريغ، التي تُنفذ باستخدام أداة “المثقال” وأقلام صلب متعددة المقاسات، وتعد الأكثر دقة، وقد تستغرق من يوم كامل وحتى 36 ساعة حسب حجم القطعة.
عقب الانتهاء من التفريغ، يتم نزع القماش، لتبدأ مرحلة التنعيم، أولًا بالمبرد ثم بالحجر الرملي، حتى يصل الألباستر إلى ملمسه الناعم وشكله النهائي.
واللافت أن القطعة الواحدة قد يبدأ وزنها بنحو 10 كيلوجرامات، لتنتهي في صورتها النهائية بوزن لا يتجاوز 300 جرام، في تجسيد واضح لفلسفة التحول من الخام إلى الفن.
مهنة تحرس الذاكرة
ليست صناعة الألباستر مجرد حرفة تقليدية، بل هي امتداد حي لحضارة قديمة، وحكاية صبر ومهارة تنتقل من جيل إلى جيل، تقاوم الاندثار، وتؤكد أن النور الذي أضاء معابد الفراعنة، ما زال قادرًا على أن يشع من بين أيدي الحرفيين حتى اليوم.



