رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا يعرف الكثيرون اليوم إلا النذر القليل جداً عن يوم عاشوراء (اليوم العاشر من شهر "محرم" وهو الشهر الأول في التقويم الهجري)، رغم أن ذلك اليوم يحمل دلالات ومعاني روحية وتاريخية وتراثية عميقة؛ إذ يحتفل به الكثيرون بأشكال وممارسات مختلفة، كما أنه ارتبط في أذهان المؤرخين والمحدثين بأحداث مفصلية غيرت بعضها وجه الإنسانية جمعاء.

 

إن ما يعرفه الكثير من المسلمين اليوم هو أن صيام "عاشوراء" سنة نبوية مؤكدة، وأن الله " عز وجل" يكفر بصيامه ذنوب سنة ماضية، لكن المدقق والقارئ في السيرة النبوية، يجد أن تلك السنة النبوبة الشريفة قد مرت بمراحل متعددة تؤكد كلها أهمية ذلك اليوم وأهمية الأحداث المرتبطة به، فبمكة المكرمة التي نشأ بها النبي صلى الله عليه وسلم وجد قريش/ العرب تقدس يوم عاشوراء وتصومه، فصامه تأسياً بهم، وعندما هاجر إلى المدينة المنورة، وفي العام الأول لتلك الهجرة وجد اليهود يقدسونه ويصومونه لأنه اليوم الذي نجى الله فيه "موسى" عليه السلام من فرعون، فقال صلوات ربي وسلامه عليه "أنه أحق بموسى منهم"، ومن ثم فقد صامه وأمر المسلمين بصيامه (كان ذلك قبل فرض صيام رمضان في العام الثاني للهجرة)، وعندما فرض صوم رمضان أصبح صيام يوم "عاشوراء" مستحباً ابتداء من السنة الثالثة للهجرة بعد أن كان واجباً قبل فرض صوم رمضان، ثم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره الشريف نيته صيام يوم التاسع والعاشر "تاسوعاء" و"عاشوراء" لقوله "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع".

 

وفيما بعد العهد النبوي الشريف، وتحديداً في عهد الدولة الأموية، وبظهور المذهب الشيعي والتشيع لآل البيت، اختلف إحياء يوم عاشوراء والاحتفال به اختلافات جذرية بين السنة والشيعة؛ ففي الوقت الذي يعتبره أهل السنة – كما تقدم - يوم صيام وشكر لله لنجاة النبي موسى عليه السلام، فإن الشيعة يعتبرونه يوم عزاء وحداد وحزن على استشهاد الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 هجرية، ولا يُصام فيه إلا إلى وقت متأخر من النهار (صيام الحزن)، وفي الوقت الذي يرى فيه أهل السنة عدم مشروعية إقامة مآتم أو إظهار الفرح بأطعمة أو عادات خاصة، كالاكتحال أو الاغتسال ويعتبرون ذلك من البدع، فإن ذلك اليوم عند أهل الشيعة يعد يوم حداد وحزن شديد تقام فيه مجالس العزاء، وتتلى فيه قصائد تروي تفاصيل معركة كربلاء، كما تنظم فيه مسيرات ضخمة يرتدي فيها المشاركون السواد، ويقوم بعضهم بعمل تمثيليات تجسد المعركة أو يقيمون طقوسا تعبيرية عن الحزن.

 

وفي الديانة اليهودية يعرف يوم "عاشوراء" (وهو اليوم العاشر من شهر " تشري" وهو الشهر الأول من التقويم العبري المدني) باسم "يوم كيبور"، أو "يوم الغفران"، ويعني دينياً بالنسبة لهم أقدس أيام السنة وأكثرها روحانية؛ إذ يأتي هذا اليوم للتكفير عن الخطايا، والتوبة، وتاريخياً يصومه اليهود شكراً لله على غفران خطايا بني إسرائيل وهو مرتبط لديهم أيضاً بذكرى خلاصهم ونجاتهم من بطش فرعون.

 

لكن أمر "عاشوراء" لا ينتهي عند ما تقدم ذكره (نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، واستشهاد الإمام الحسين في كربلاء) فقط، فقد رصد المؤرخون وكتاب السير، أن هذا اليوم قد شهد عبر التاريخ العديد من الأحداث العظيمة والمفصلية على مر التاريخ، ومن أبرزها إلى جانب الأحداث السابقة الذكر: استواء سفينة "نوح" عليه السلام، إذ تذكر الروايات التاريخية أن سفينة نبي الله "نوح" عليه السلام قد استقرت على "جبل الجودي" بعد انتهاء الطوفان في هذا اليوم، كما أن من أبرزها – أيضاً - توبة نبي الله "آدم" عليه السلام؛ إذ ورد في بعض الآثار الإسلامية أن يوم عاشوراء شهد توبة الله (عز وجل) على أبي البشر آدم -عليه السلام- بعد أكله من الشجرة، ومن أبرزها – كذلك - نجاة نبي الله "يونس" عليه السلام: إذ قيل إنه اليوم الذي نجى الله فيه نبيه يونس عليه السلام من بطن الحوت بعد أن التقمه.

 

أما تقديس العرب لهذا اليوم في الجاهلية أو قبل "البعثة النبوية المطهرة"، وصيامهم له وتشبه النبي صلى الله عليه وسلم بهم في فترة إقامته في مكة وقبل هجرته الشريفة إلى المدينة المنورة، فخلاصته كما ورد في المصادر التاريخية أن "قريش" كانت تصومه استشعارًا لعظم ذنب أصابوه ورغبة منهم في غسل نفوسهم، كما أنهم جعلوا من ذلك اليوم ميقاتًا سنويًا لتبديل كسوة الكعبة وجعل بيت الله الحرام في أبهى صورة، إذ كان القرشيون يعظمون الكعبة قديمًا بــ"الستور" (جمع سترة أو كسوة).

 

وحتى يومنا هذا تختلف أشكال الاحتفال بيوم عاشوراء، وإحيائه على مستوى العالم الإسلامي اختلافاً جذرياً بين الثقافات والدول الإسلامية بين: الاحتفالات المبهجة والثقافية، وتمثلها دول مثل مصر التي يتم إحياء يوم "عاشوراء" فيها بطابع احتفالي واجتماعي يعود تاريخه إلى العصر المملوكي، وربما العصر الفاطمي، وتشتهر العائلات فيه بصناعة "حلوى العاشوراء" وتوزيعها على الجيران والأقارب كنوع من صلة الرحم والتوسعة على الأهل، وكذلك مثل المغرب الذي يعرف يوم "عاشوراء" فيه بطقوس فريدة؛ إذ يسمى بـ"يوم زمزم"، وفيه يخرج الأطفال والشباب إلى الشوارع لرش بعضهم البعض والمارة بالماء البارد.

كما تشمل العادات فيه شراء الألعاب والهدايا للأطفال، وإعداد أطباق "الكسكسي بالخضار" وكذلك "القديد" أو اللحم المجفف، كما تعد السودان من الدول التي تحتفل احتفالات مبهجة بيوم "عاشوراء"؛ إذ تحرص العائلات فيه على إعداد وجبات خاصة والمشاركة في أعمال الخير وإطعام الفقراء.

 

وهناك شكل آخر من أشكال الاحتفالات بيوم عاشوراء على مستوى العالم الاسلامي، وفيه تقام مواكب العزاء وإحياء الذكرى، وهذا الشكل من الاحتفال تمثله الدول ذات الغالبية الشيعية مثل العراق، إيران، البحرين، ولبنان، وتكون الأحتفالات على سبيل المثال عبارة عن تجمع للآلاف عند الأضرحة والمقامات (مثل مرقد الإمام الحسين في كربلاء)، وخروجهم في مسيرات ومواكب عزاء ضخمة، وتلاوتهم لقصص معركة كربلاء وإنشادهم للمراثي، وإقامة ولائم لتوزيع الطعام والماء على المارة والمحتاجين تكريماً لذكرى الإمام الحسين.

 

وأخيراً.. يوجد شكل ثالث من أشكال تلك الأحتفالات أو الإحياء ليوم "عاشوراء"، وهو الصيام والأعمال الصالحة فقط، ويحدث هذا الشكل من الإحياء في دول مثل السعودية، والأردن، واليمن؛ إذ يعتبرونه مناسبة دينية يستحب فيها الصوم احتفاء بنجاة النبي موسى عليه السلام وقومه من فرعون.

 

أما خصوصية التجربة المصرية في الاحتفالات بيوم "عاشوراء" فتأتي من طابع المصريين عبر التاريخ الذي يمكن تلخيصه في أكثر من نقطة، ومنها: حب المصريين للاحتفالات بشكل عام وطبعها بطابع مصري خاص، وكذلك ربطهم لتلك الاحتفالات بالمأكل والمشرب، ومن هنا أنتجت الثقافة المصرية على مر التاريخ ما يعرف اليوم بطبق "العاشوراء" أو "العاشورة "، الذي يعد من أشهر الحلويات الشعبية والتراثية المرتبطة بالمطبخ المصري، ويتكون هذا الطبق من حبوب القمح المسلوق (البليلة)، الممزوجة بالحليب، السكر، ونشا الذرة، ويُزين الوجه بالمكسرات، القرفة، والزبيب.

 

وتاريخياً.. تصنف "العاشورة " كأكلة أو طبق مصري عابر للثقافات؛ فرغم أن الوصفة الحالية وتناولها في موسم "عاشوراء" يرجع لبعض العصور الإسلامية (الفاطمية – المملوكية – العثمانية) التي انتشرت في المنطقة، فإن جذورها في مصر تعود إلى آلاف السنين، إذ كان المصريون القدماء يعدون أطباقاً مشابهة احتفالاً بمواسم حصاد القمح من القمح واللبن والعسل... إلخ.

 

هكذا نجد أن يوم "عاشوراء" ذو أهمية تاريخية وتراثية خاصة؛ تأتي من كونه امتداداً لرسالات الأنبياء والأحداث المرتبطة بها؛ وخاصة "النجاة" (توبة الله على آدم عليه السلام – نجاة نوح عليه السلام وقومه – نجاة يونس عليه السلام وخروجه من بطن الحوت – نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون).. إلى جانب أحداث أخرى، وبالتالي يظل يوم "عاشوراء" رابطاً تاريخياً وروحياً، ويجسد تلاحم الأنبياء، ويدل على أصالة ووحدة المشكاة النبوية والوراثة الروحية.

 

تم نسخ الرابط