تقرير: خفض التصعيد في المنطقة يمهد لتعافي الاقتصاد الكويتي
أفاد تقرير صادر عن وحدة البحوث الاقتصادية ببنك الكويت الوطني، اليوم، بأن إعادة فتح مضيق هرمز إلى جانب انخفاض حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع في منطقة الخليج، من شأنه أن يخفف جانبا كبيرا من الضغوط الاقتصادية مستقبلا على الاقتصاد الكويتي، متوقعا أن يرتفع إنتاج النفط تدريجيا خلال الربع الثالث من العام الجاري.
ومع ذلك، توقع البنك في تقريره أن يؤثر النزاع على النمو في عام 2026، فبعد أن سجل الناتج المحلي الإجمالي للكويت نموا بنسبة 2.7% في عام 2025، من المتوقع أن ينكمش في عام 2026، متأثرا بخسائر إنتاج النفط الناتجة عن الحرب لمدة تقارب أربعة أشهر، إضافة لاضطرابات التجارة.
وأشار التقرير إلى أنه بافتراض إعادة فتح مضيق هرمز في يوليو المقبل وعودة حركة الشحن تدريجيا لطبيعتها خلال عدة أسابيع، فمن المتوقع أن يتعمق انكماش الناتج المحلي الإجمالي للكويت إلى 13% في عام 2026 مقارنة بتقدير سابق بلغ 4%.
وأرجع البنك السبب الرئيسي في ذلك إلى الناتج النفطي، والذي من المتوقع الآن أن ينخفض بنسبة 26% في عام 2026، نتيجة الإغلاق المطول للمضيق والذي أدى لتوقف صادرات النفط وإجبار الإنتاج على الانخفاض الحاد إلى مستويات لا تغطي سوى احتياجات المصافي.
وتوقع أن ينخفض متوسط إنتاج النفط الخام في الكويت إلى 1.84 مليون برميل يوميا في عام 2026 (مع تسجيل أبريل أدنى مستوى شهري)، مقارنة بنحو 2.47 مليون برميل يوميا في عام 2025، لافتا إلى أن هذا التقدير يأخذ في الاعتبار مسارا تدريجيا نسبيا لتعافي الإنتاج بعد إعادة فتح المضيق؛ إذ يصل الإنتاج إلى أكثر من 80% من مستوياته قبل النزاع خلال ثمانية أسابيع، وهو ما يتماشى مع تصريحات لمؤسسة البترول الكويتية بهذا الشأن.
وأبقى البنك على توقعاته لأسعار النفط، كما في أبريل الماضي، عند متوسط 90 دولارا للبرميل لخام برنت في عام 2026، مع ميل ميزان المخاطر حاليا نحو الانخفاض، نظرا للهبوط السريع في الأسعار عقب الإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، والتوقعات بزيادة كبيرة في إمدادات النفط من دول مجلس التعاون الخليجي.
ومع ذلك، أوضح التقرير أنه مازالت هناك عوامل داعمة للأسعار، إذ تبقى المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، كما أن الالتزام بمذكرة التفاهم غير مؤكد في ظل وقف إطلاق نار هش، إذ يمكن لإيران إغلاق المضيق مجددا في أي وقت؛ مما يهدد حركة الشحن.
وأضاف أن من العوامل الإيجابية كذلك للأسعار احتمال ارتفاع الطلب على النفط خلال موسم الصيف، إضافة إلى استمرار انخفاض المخزونات العالمية نتيجة التأثير المتأخر لإغلاق المضيق، والحاجة إلى إعادة تكوين المخزونات على نطاق واسع.
وأشار إلى أن الاقتصاد غير النفطي قادر على تجنب الركود، وهو أداء يعد جيدا بالنظر لحجم الصدمة الناتجة عن النزاع، ويساعد على ذلك استقرار التوظيف في القطاع العام الذي حافظ على مستويات الدخل، إضافة لسياسات الحكومة في ضبط الأسعار وتقديم الدعم التي خففت من أثر ارتفاع أسعار الغذاء والسلع على المستهلكين، إلى جانب الإجراءات لدعم القطاع المصرفي؛ بما في ذلك ضخ ودائع حكومية وتعديلات تنظيمية من البنك المركزي كخفض متطلبات السيولة ونسب كفاية رأس المال.
وتوقع "بنك الكويت الوطني" حدوث انتعاش اقتصادي قوي بعد انتهاء النزاع، تقوده زيادة إنتاج القطاع النفطي، إلى جانب عودة وتيرة إسناد المشاريع لمستوياتها التي كانت سائدة قبل النزاع، واستمرار تحسن الإنفاق الاستهلاكي كما كان قبل فبراير، ويتزامن ذلك مع تراجع الضغوط على سلاسل الإمداد.
ولفت إلى أنه من المنتظر أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 27% في عام 2027، مع زيادة كبيرة في الناتج النفطي بنسبة 56%، مرجحا أن تبقى أسعار النفط أعلى من مستويات ما قبل النزاع، بمتوسط يبلغ 75 دولارا للبرميل في 2027.
وفيما يتعلق بمعدل التضخم في الكويت، أوضح التقرير أن من المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 2.5% في العام الجاري 2026 (مقابل 2.4% في عام 2025)؛ إذ يتم احتواء الضغوط التضخمية الناتجة عن النزاع من خلال سياسات الحكومة؛ بما في ذلك ضبط أسعار الغذاء وتقديم الدعم، إلى جانب انخفاض تضخم قطاع السكن واتجاهات تراجع التضخم في سلع استهلاكية أخرى.
وأضاف أن سعر الخصم الرسمي (معدل الفائدة) في الكويت يبلغ 3.50%، في حين تشير توقعات أسواق العقود الآجلة إلى احتمال متوازن لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس مرة أو مرتين خلال هذا العام.
ووفقا للتقرير، من المنتظر أن يؤدي استمرار تعطل صادرات النفط لفترة طويلة — قاربت أربعة أشهر وقت إعداد التقرير — إلى جانب زيادة الإنفاق على الدعم وإعادة الإعمار بعد النزاع، وانخفاض الإيرادات غير النفطية، إلى اتساع حاد في عجز المالية العامة للكويت خلال هذا العام.
وتوقع أن يبلغ العجز نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026/2027 (أي ما يعادل 8.1 مليار دينار كويتي)، مقارنة بنحو 7.9% في السنة المالية 2025/2026. ونبه إلى أنه رغم أن هذا المستوى أقل بكثير من العجز الذي بلغ 32% من الناتج خلال جائحة كورونا، فإنه يمثل مع ذلك العجز الحادي عشر خلال الاثني عشر عاما الماضية.
ورجح بنك الكويت الوطني أن تتراجع مؤقتا أهداف الإصلاح المالي طويلة الأمد لصالح أولويات إعادة الإعمار والإنفاق المرتبط بالنزاع، مشيرا إلى أن الميزانية الرسمية قبل النزاع كانت قد توقعت زيادة في الإنفاق بنسبة 6%، شملت ارتفاعا في الإنفاق الرأسمالي وتخصيص 700 مليون دينار لمرة واحدة لدعم صندوق التقاعد.
وتوقع التقرير نموا مشابها في إجمالي الإنفاق في الكويت، مع الأخذ في الاعتبار زيادة أكبر في الدعم وارتفاعا أقل في الإنفاق الرأسمالي، كما كانت الميزانية تتوقع زيادة بنسبة 20% في الإيرادات غير النفطية لتصل لمستوى قياسي قدره 3.5 مليار دينار (ما يمثل 22% من إجمالي الإيرادات)، من خلال إجراءات تشمل رفع رسوم الخدمات، وزيادة رسوم التأمين الصحي للوافدين، وفرض ضريبة الأراضي الفضاء، إضافة لتطبيق ضريبة دخل الشركات على الشركات متعددة الجنسيات، لافتا إلى أنه رغم تنفيذ بعض هذه الإجراءات، فإن ضعف نمو النشاط غير النفطي وتأخر تحصيل الإيرادات سيؤجلان تحقيق هذه الزيادات بالكامل.
وفيما يتعلق بالسنة المالية 2027/2028، توقع بنك الكويت الوطني أن ينخفض العجز في الكويت بشكل حاد لنحو 3% من الناتج، مدفوعا بتعافي إنتاج النفط وتراجع الإنفاق المرتبط بالحرب.
كما توقع استئناف التقدم في مسار ضبط أوضاع المالية العامة، مع تطبيق ضريبة السلع الانتقائية وفقا لما أعلنته وزارة المالية. وبالاقتران مع ضريبة الشركات، فقد تساهم هذه الإجراءات في توليد إيرادات إضافية تصل لنحو 450 مليون دينار (ما يعادل 0.8% من الناتج).
وأشار إلى أن من الإجراءات الأخرى المحتملة على المدى القريب: ترشيد الدعم بشكل إضافي، وإعادة تسعير رسوم الخدمات، وخفض بعض بنود الإنفاق التقديري.
ونبه التقرير إلى أن الأصول الاحتياطية الضخمة للحكومة — التي تقدر بشكل غير رسمي بأكثر من تريليون دولار — توفر إضافة لانخفاض مستويات الدين العام التي تبلغ نحو 17% من الناتج رغم الإصدارات الأخيرة (للسندات وصكوك الدين العام)، مساحة واسعة لتمويل العجز المتوقع.
وقال تقرير "بنك الكويت الوطني" إن الحرب كشفت عن تحديات هيكلية كامنة في الاقتصاد الكويتي، وبشكل خاص الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وجمود هيكل القطاع العام، وضعف دور القطاع الخاص؛ مما يعزز أهمية دفع وتنفيذ إصلاحات رؤية 2035، بهدف تنشيط القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الاستثمار، متوقعا أن تسعى الحكومة لتسريع هذه الجهود وتكثيفها خلال الفترة المقبلة.
ونبه البنك في تقريره إلى أن المخاطر السلبية للتوقعات تتمثل في احتمال استمرار تعافي إنتاج النفط لفترة أطول من المتوقع وانخفاض أسعار النفط، أما المخاطر الإيجابية فتشمل تسارع نمو الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب استئناف زخم المشاريع، وإصلاح بيئة الأعمال، وزيادة وتيرة الاستثمار.



