الذكاء الاصطناعي.. رهان ألمانيا لإنقاذ سوق العمل بعائد يتجاوز 300 مليار يورو
كشفت وكالة بلومبرج عن أن ألمانيا تعول بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواجهة أزمة ديموغرافية متفاقمة تهدد مستقبل أكبر اقتصاد في أوروبا، في ظل انخفاض معدلات المواليد، وتسارع وتيرة تقاعد الأجيال الأكبر سناً، وعدم كفاية الهجرة لتعويض النقص المتزايد في القوى العاملة.
ويحذر اقتصاديون من أن ألمانيا قد تفقد نحو ربع قوتها العاملة الحالية البالغة قرابة 51 مليون شخص، بحلول عام 2070، وهو ما يدفع صناع القرار والشركات إلى النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم الحلول للحفاظ على معدلات النمو والإنتاجية.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع تسارع اعتماد الشركات الألمانية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات وسط تقديرات لـ"بلومبرج إيكونوميكس" تشير إلى أن هذه التقنيات قد تضيف ما يصل إلى 323 مليار يورو إلى الناتج الاقتصادي الألماني خلال العقد المقبل، بما يعادل زيادة سنوية تتراوح بين 0.2 و0.7 نقطة مئوية في معدل النمو.
وتبرز آثار هذا التحول على أرض الواقع في الشركات الصغيرة والمتوسطة ففي إحدى شركات البناء شمال غربي ألمانيا أدى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الوقت اللازم لمعالجة أكثر من 250 فاتورة أسبوعياً إلى النصف، بعد أن كانت تستغرق ما يعادل أربعة أيام عمل كاملة.
ويرى صاحب الشركة جيريت تيرفير أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بديلاً للعمال بل أداة لتعويض النقص المتزايد في القوى العاملة، مؤكداً أن التقنية أصبحت وسيلة لمواجهة أزمة هيكلية تهدد الاقتصاد الألماني أكثر من كونها مجرد وسيلة لخفض التكاليف.
وفي قطاع الرعاية الصحية المنزلية، تمكنت شركة "آرتي كلين" في ولاية شمال الراين-وستفاليا من تقليص الوقت المخصص لتخطيط زيارات المرضى بنحو الثلث، باستخدام نظام ذكاء اصطناعي لا تتجاوز تكلفته 250 يورو شهرياً.
كما تستعد الشركة لتطبيق نظام يعتمد على الإدخال الصوتي لإعداد التقارير الطبية وتنظيم البيانات، وهو ما تتوقع أن يحقق لها إيرادات إضافية تصل إلى 12 ألف يورو شهرياً.
أما في قطاع البناء، فقد اعتمدت شركة تيرفير تطبيقات ذكاء اصطناعي تسمح للعمال بإملاء طلبات المواد وتحديثات مواقع العمل بلغات متعددة، بينها العربية والروسية، لتحويلها تلقائياً إلى سجلات رقمية مرتبطة بمواقع المشاريع عبر أنظمة الحوسبة السحابية ونظام تحديد المواقع.
وتشير بيانات البنك الفيدرالي الألماني إلى أن أكثر من ثلثي الشركات تعتزم توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري، مقارنة بـ44% فقط في عام 2025.
كما يرى 31% من الشركات، وفق استطلاع أجرته جمعية "بيتكوم" التقنية، أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في الحد من نقص العمالة الماهرة عبر أتمتة المهام الروتينية، وتحسين دمج العمالة الوافدة، ورفع كفاءة الموظفين.
ورغم هذا التفاؤل، يؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع، في الوقت الراهن، تعويض العمالة في الوظائف اليدوية التي تعاني أكبر نقص، مثل رعاية المسنين وأعمال البناء الميدانية، كما لا يزال تأثيره الفعلي على الإنتاجية محل نقاش بين الشركات.
ويرى تقرير بلومبيرج أن النهج الألماني يختلف عن النموذج الصيني الذي يعتمد على الروبوتات الشبيهة بالبشر لسد فجوات العمالة، إذ تركز ألمانيا على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجية العامل البشري ودعمه، بدلاً من استبداله.
ومع تصاعد الاهتمام الأوروبي بهذه التقنيات، بات الذكاء الاصطناعي يتصدر أجندة صناع القرار، حيث خصص البنك المركزي الأوروبي جلستين كاملتين لهذا الملف خلال ملتقاه السنوي في البرتغال، في إشارة إلى تنامي قناعة أوروبا بأن مستقبل النمو الاقتصادي قد يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.



