لغز السامبا.. كيف تحولت أعظم مدرسة كروية إلى منتخب بلا هوية؟
ماذا يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع كلمة "البرازيل" ؟.. ربما خمس نجوم تزين القميص الأصفر، كرة قدم تُعزف ويُرقص عليها رقصتهم السامبا الشهيرة قبل أن تُلعب، مهارات لا تُصدق، جماهير متعطشة دائمًا للمزيد، ومنتخب كان مجرد ذكر اسمه كافيًا لإثارة الرعب في قلوب المنافسين، إنها البرازيل التي تربى عليها عشاق الساحرة المستديرة، البرازيل التي كانت مرادفًا للمتعة والانتصارات، لكن اليوم، لم يعد المشهد كما كان.
انتهت رحلة منتخب البرازيل في كأس العالم 2026، لكن هذه المرة كان الوداع أكثر قسوة، خاصةً عقب التعاقد مع المدرب الإيطالي الشهير كارلو أنشيلوتي صاحب الإنجازات العديدة، والذى لم يكن كافيًا لإعادة هيبة "راقصي السامبا"، بل كان شاهدًا على سقوط المنتخب أمام النرويج بنتيجة (2-1) في دور الـ16، لتتواصل سلسلة الإخفاقات التي امتدت لأكثر من عقدين.
ورغم أن البرازيل لا تزال صاحبة الرقم القياسي في عدد مرات التتويج بكأس العالم برصيد 5 ألقاب أعوام 1958 و1962 و1970 و1994 و2002، فإن الكأس الغالية استعصت عليها منذ آخر تتويج في مونديال كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، ومنذ ذلك مر 24 عامًا دون أن ينجح أفضل من لعب الكرة بالتاريخ في استعادة عرشه.
المفارقة أن البرازيل لم تتوقف يومًا عن إنتاج النجوم، فمنذ 2002 وحتى اليوم، امتلأت أكبر أندية أوروبا بأسماء برازيلية لامعة حصدوا كل الكؤوس مع أنديتهم ولكنهم لم ينجحوا في إعادة كأس العالم إلى بلاد السامبا.
وعلى مدار النسخ الست الأخيرة من كأس العالم، كانت النهاية دائمًا مؤلمة، ففي 2006 خرجت البرازيل من ربع النهائي أمام فرنسا، ثم ودعت نسخة 2010 بالطريقة نفسها أمام هولندا، أما كارثة 2014 فستظل محفورة في التاريخ بعدما تلقت الهزيمة الأشهر بنتيجة 7-1 أمام ألمانيا في نصف النهائي على أرضها ووسط جماهيرها، قبل أن تغادر نسخة 2018 من ربع النهائي أمام بلجيكا، ثم نسخة 2022 أمام كرواتيا بركلات الترجيح، وأخيرًا مونديال 2026 بالخسارة أمام النرويج في دور الـ16.
ويرى كثير من المحللين حول العالم أن أزمة البرازيل لم تعد أزمة مواهب، بل أزمة هوية، فالمنتخب الذي كان يُعرف بالكرة الهجومية والمهارة الفردية المنصبة لصالح الفريق، فقد شخصيته تدريجيًا، وأصبح يعتمد على الأداء الأوروبي التكتيكي أكثر من الروح البرازيلية التي عهدناها والتى صنعت أمجاد بيليه وزيكو وروماريو ورونالدو ورونالدينيو، كما أن كثرة الضغوط الجماهيرية، وغياب الاستقرار الفني، ساهمت في تراجع المنتخب خلال السنوات الماضية.
ومع كل ذلك، لم يكن وصول كارلو أنشيلوتي كافيًا لإيقاف هذا النزيف، فالمدرب الإيطالي، صاحب الألقاب الأوروبية العديدة، تولى المهمة وسط آمال كبيرة بأن يعيد الانضباط إلى منتخب السامبا، لكنه اصطدم بالمشكلة نفسها التي واجهت من سبقوه؛ منتخب يملك أسماءً لامعة، لكنه يفتقد الانسجام والقدرة على حسم المباريات، كما أن نجومه ليسوا الأفضل على الساحة حاليًا كمراكز.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل خروج برازيلي: كيف يمكن للبلد الأكثر تتويجًا بكأس العالم، والأغزر إنتاجًا للمواهب، أن تعجز عن الفوز باللقب منذ أكثر من عقدين؟ ربما تكمن الإجابة في أن كرة القدم لم تعد تُحسم بالنجوم وحدهم، بل بمنظومة متكاملة وتدريبات داخل وخارج المستطيل الأخضر وروح وهوية واضحة واستقرار فني طويل الأمد .



