أقر وأعترف أنني لست من المدمنين في متابعة مباريات كرة القدم، رغم أنني كنت عضواً في فريق مصر للناشئين لكرة السلة أيام العظيم كابتن الفرنواني وتركتها لأتفرغ لدراستي الجامعية، ورغم أن من زملائي بالدراسة الثانوية كابتن مصر محمود الجوهري الذي كان يسبقني بأعوام في مدرسة مصر الجديدة الثانوية للبنين، ولكني مراقب ومشاهد متحمس إذا لعبت مصر مع فريق أجنبي أو في بطولات دولية، كما حدث ليلة الجمعة، وأنا أصرخ مهللا بفوز مصر في بطولتها مع أستراليا، ضمن أحداث مونديال كأس العالم لكرة القدم، الذي كان سبباً لاستنشاق العالم جرعة من ترياق هدوء الاتفاق على وقف التصعيد التوتر الأمريكي - الإيراني، بإبرام الرئيس دونالد ترامب مسودَّة اتفاق أمريكي– إيراني لرفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، ومرور السفن التجارية وناقلات النفط، مما أثر إيجاباً على البطولة بشكل مباشر بالنسبة لأسعار الطاقة والأسواق العالمية، وتراجع أسعارها من خلال استقرار الشحن، وتأمين إمدادات الطاقة، وبالتالي سهل لجماهير المشاهدين الحركة للمشاركة في البطولة، بعد تخفيض تكاليف سفر المشجعين بين الدول الثلاث الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك، والتخفيف من أعباء تكاليف تنظيم هذا الحدث العالمي لبطولة كأس العالم.
الذي سيستمر حتى التاسع عشر من هذا الشهر يوليو، وتشارك فيه من منطقتنا 8 منتخبات عربية، في بطولة عالمية تضخٌَّ كصناعة مليارات الدولارات. فشكراً للسيد ترامب لتركه الصراع مع الإيرانيين ليستمتع العالم ببطولة هي الأكثر جنونا في تاريخ المونديال، ومنافسة شرسة بعد تطور كرة القدم وتوسُّع شعبيَّتها، وازدياد عدد مدمنيها، وأصبحت حدثاً اقتصادياً وسوقاً عالمية تتنافس عليها الحكومات والأندية والشركات. وتحولات غير مسبوقة بسبب تداخل السياسة العالمية مع الاقتصاد الرياضي، وتحوُّله إلى نمط مختلف بتسعير جديد يؤدي إلى تشكيل صناعة الرياضة عالمياً.
لم أكن أتخيل وأنا أتناول هذا المقال بأن كرة القدم تحظى بـ3.5 مليار مشجع حول العالم، وتساءلت كيف يمكن لإنسان أن يشجع فريقاً ما، ويربط أمواله ووقته واستقراره العاطفي ببذل الفعل، الذي لا يحمل أي معنى كوني، والمتمثل في ركل فريق ما لكرة جلدية داخل شباك من البولي بروبيلين مرات أكثر من الفريق الآخر، لكن أكثر من ثلث سكان العالم يفعلون ذلك.
قال ذات مرة أسطورة كرة القدم الأرجنتينية، وأحد أعظم لاعبي التاريخ دييجو مارادونا: "كرة القدم ليست مجرد لعبة أو رياضة، بل هي ديانة".
زميلة صحفية بجريدة الجارديان البريطانية أعرفها منذ أيام غربتي في لندن كمدير لمؤسستي الحبيبة روزاليوسف في العاصمة البريطانية كتبت: "قبل عامين تقريباً، حسبت أنني أقضي نحو 25 ساعة أسبوعياً في مشاهدة أو قراءة أو الاستماع إلى محتوى يتعلق بكرة القدم، أو التفاعل معه عبر تطبيقات الهاتف الذكي. وهذا يعادل أكثر من يوم كامل كل أسبوع، ونحو 54 يوماً في السنة. لذا، قررت التوقف تماماً وبشكل مفاجئ عن متابعة "اللعبة الجميلة" لمدة ستة أسابيع. كتبت عن تلك التجربة المربكة والمثيرة للحيرة، وقد ساعدتني في فهم كيف أصبحت مهووساً بكرة القدم لدرجة فقدان السيطرة، وكيف انفصلت عن أعظم هبة تقدمها هذه الرياضة: الشعور بالانتماء للمجتمع".
وتكمل الحكي عن تجربتها التي تستحق الوقوف عندها لتقول: "ومنذ ذلك الحين، لا تغيب عن ذهني الأسئلة حول ماهية أن تكون مشجعاً. بل يمكنني القول إنني كنت مدمناً على استهلاك محتوى كرة القدم؛ لكن الإدمان عادة ما يرتبط بأشياء مثل المخدرات والكحول، فهل يمكن للمرء حقاً أن يدمن شيئاً تافهاً أو فارغاً من الجوهر مثل كرة القدم؟ وكيف يقارن شغفي بكرة القدم بالهوس بمجالات أخرى كالسياسة أو الموسيقى؟ بالنسبة لي، الأمر يتعلق بنادي المفضل توتنهام، وبالنسبة لآخرين يتعلق بتايلور سويفت أو حزب المحافظين، ولكن في النهاية، هل يصب كل ذلك في خانة واحدة؟".
وتجيب سالي بيكر، وهي معالجة نفسية لديها - بمحض الصدفة- ابن بالغ يشجع فريق "توتنهام هوتسبير" (Spurs): "في حالات كثيرة، تمنحك كل قصة جديدة عن كرة القدم أو أي خبر يتعلق بها يصل إلى هاتفك دفعةً من الدوبامين؛ وهو هرمون يبعث على الشعور بالسعادة". وتضيف مشيرةً إلى عادة الفريق المزعجة المتمثلة في الخسارة في المباريات النهائية أو نصف النهائية: "إنهم يعجزون عن حسم الأمور والفوز بالألقاب؛ إنها سمة ملازمة لهم وتثير جنوني". (كان عمري ست سنوات فقط في المرة الأخيرة التي فازوا فيها ببطولة كبرى -كأس الاتحاد الإنجليزي- رغم أنهم فازوا بلقبين في "كأس الرابطة" خلال تلك الفترة).
وتتابع بيكر قائلة: "تمثل كرة القدم بالنسبة للمدمن ارتباطاً عاطفياً عميقاً، ولكنها أيضاً نشاط فكري؛ لذا فأنت تتفقد مصادر المعلومات المختلفة، وبمجرد انتهائك من تصفحها جميعاً، تظهر محتويات جديدة.
وفي النهاية، يكون الأمر مخيباً للآمال ولا يمنحك شعوراً حقيقياً بالرضا. وتشير بيكر إلى أن هذه العادة لا تختلف عن تصفح "فيسبوك" بشكل قهري؛ فتقول: "إذا كنت تمارس التصفح المستمر للأخبار السلبية أو المقلقة ليلاً (ما يُعرف بـ doomscrolling)، فغالباً ما يكون السبب شعورك بالوحدة والانعزال. أما في الصباح، فالأمر يتعلق عادةً بالتسويف وتأجيل بدء يومك".
وعن الإدمان ومدمني الكرة سنكمل الحديث..



