مفتي الجمهورية: صحيح البخاري منهج علمي راسخ لمواجهة الشبهات وصون التراث الإسلامي
قال مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم الدكتور نظير محمد عياد إنه ليس من قبيل المصادفة أن ينعقد هذا المؤتمر الدوليّ في أرض الإمام البخاريّ؛ فإنّ الاجتماع على دراسة تراثه في موطنه يحمل دلالةً علميّةً وحضاريّةً بالغةً، ويعبّر عن وفاء للأئمّة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السّنّة النبويّة.
جاء ذلك في كلمته التي ألقاها اليوم الخميس في سمرقند في الجلسة الثالثة في المؤتمر الدولي الأول عن "الجامع المسند صحيح البخاري.. كتاب الأمة"، وذلك في إطار المنتدى الإسلامي الدولي الأول.
وأضاف عياد أنّ صحيح الإمام البخاريّ لم يعد كتابًا تتدارسه الأمّة في مجالس العلم فحسب، بل صار تراثًا إنسانيًّا ومنهجًا معرفيًّا يستدعى في كلّ عصر؛ لاستلهام قيم التثبّت، والتوثيق، والانضباط العلميّ، في مواجهة ما تشهده الساحة الفكريّة من اضطراب في معايير نقل المعرفة وتقويمها.
وأوضح أن السّنّة النبويّة قد خضعت لأعلى درجات التحقّق، والتثبّت، والمراجعة، والتدقيق، والتمحيص، وبذل علماء الحديث في سبيل الحفاظ عليها جهدًا كبيرًا، وعنوا بها عنايةً فائقةً، ووقفوا أعمارهم وأوقاتهم عليها؛ فسمعوها من الرّواة، ولم يقتصروا على السماع من رواة بلدهم أو البلاد القريبة منهم، بل رحلوا إلى بلدان بعيدة جدًّا؛ لسماع الحديث وجمعه من رواة تلك البلاد، وكتبوها في الألواح، وحفظوها في الصدور، وعدّلوا رواتها وجرّحوهم؛ فبيّنوا العدل المؤتمن على حديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الضابط له، الذي تقبل روايته، وبيّنوا كذلك غير العدل، وكذلك المغفّل الذي ينسى ويخطئ كثيرًا، فتردّ روايته ولا تقبل، وحكموا على أسانيدها بالاتصال أو الانقطاع، وميّزوا صحيحها من سقيمها، وتكلّموا على عللها، وصنّفوا في جميع أنواعها وعلومها المصنّفات الكثيرة النافعة.
وتابع قائلا: "شهد بذلك كثير من المستشرقين، الذين أقرّوا بأنّ المسلمين قد ابتكروا مناهج دقيقةً لضمان الصحّة في تسجيل الأحداث، من أهمّها: تأريخها بالسنة والشهر، بل باليوم، وأكّدوا أنّ المسلمين على حقّ في فخرهم بعلم الحديث".
وأوضح أنه كان من أجلّ علماء الحديث ونقّاد الأثر الذين وقفوا أعمارهم على خدمة السّنّة النبويّة جمعًا، وتمحيصًا، وتصنيفًا: الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريّ (المتوفّى سنة 256هـ). وقد تمكّن الإمام البخاريّ، من خلال الرحلات العلميّة، واللقاءات المتنوّعة مع الشيوخ وحفّاظ السّنّة النبويّة، من جمع ما يزيد على ثلاثمائة ألف حديث، مع التنبيه إلى أنّ الحديث الواحد إذا روي بإسنادين عدّ حديثين، كما نبّه على ذلك الإمام الذهبيّ وغيره.
وأفاد بأن كتاب "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه"، قد ظهر فيه نبوغ الإمام البخاريّ وعبقريّته، وذكاؤه الحادّ، وتجلّى فيه حسن تصنيفه، وبرزت منهجيّته الفريدة المتميّزة، ومعرفته بعلوم الحديث، وتقدّمه في ذلك، ولا سيّما معرفته بعلم «علل الحديث»، الذي هو أدقّ علوم الحديث وأصعبها، كما ظهرت معرفته بالفقه من خلال تراجم الأبواب التي ذكرها.
وقال إنه بعد أن أتمّ الإمام البخاريّ تصنيف كتابه، عرضه على علماء عصره، فقبلوه منه، وشكروه عليه، وأقرّوا له بالعلم والفضل، والتقدّم في هذا الشأن، وانتقده بعضهم، ونازعه في تصحيح بعض الأحاديث، سواء من علماء عصره أم من بعدهم، كالإمام الدارقطنيّ وغيره؛ وهذه الانتقادات تدلّ على أنّ الكتاب قد خضع للنظر والمراجعة مرارًا وتكرارًا من علماء الأمّة، وأنّ الحكم على أحاديثه بالصّحّة ليس للبخاريّ وحده.
كما أكد أن الاحتفاء بصحيح الإمام البخاريّ ليس احتفاءً بكتاب فحسب، وإنّما هو احتفاء بمنهج علميّ راسخ، وبتراث حضاريّ أسهم في ترسيخ ثقافة التوثيق، وصيانة المعرفة، وحفظ مصادر الشريعة الإسلاميّة عبر القرون.
وأوضح أنه إذا كان الإمام البخاريّ قد صار علمًا من أعلام هذا المنهج، فإنّ ذلك لم يكن لأنّه انفرد به، وإنّما لأنّه مثّل الذروة في تطبيقه وإحكامه؛ فصحيحه ثمرة مدرسة علميّة متكاملة، شارك في بنائها أئمّة الحديث حفظًا، وروايةً، ونقدًا، وتمحيصًا، ثم تلقّتها الأمّة بالبحث، والمدارسة، والشرح، والاستدراك، جيلًا بعد جيل. ولذلك، فإنّ الحديث عن صحيح الإمام البخاريّ هو حديث عن مشروع علميّ تراكميّ شاركت فيه الأمّة بأسرها، لا عن جهد فرديّ معزول، وهو ما يفسّر بقاءه حاضرًا في ميادين البحث والدراسة، واستمرار مكانته العلميّة على الرغم من تعاقب العصور، واختلاف المناهج، وتجدّد الأسئلة.
وأفاد بأنه الواجب في عصرنا لا يقتصر على الذّبّ عن صحيح الإمام البخاريّ والرّدّ على ما يثار حوله من شبهات، وإنّما يمتدّ إلى إبراز المنهج العلميّ الذي قام عليه هذا الكتاب العظيم، وتعريف الأجيال به؛ لأنّ الأمم إنّما تصان ذاكرتها العلميّة بحفظ مناهجها قبل حفظ نصوصها، وتبقى حضارتها ما بقيت أصولها المعرفيّة حيّةً في وعي أبنائها ومن ثمّ، فإنّ إحياء علوم الحديث، وتعميق الوعي بقواعد الإسناد والنقد والتمحيص، لا يمثّل دفاعًا عن التّراث فحسب، بل يمثّل إسهامًا في ترسيخ ثقافة التثبّت والانضباط العلميّ، وهي قيم لا تزال الإنسانيّة في أمسّ الحاجة إليها في زمن تتسارع فيه المعلومات، وتختلط فيه الحقائق بالدّعاوى.
ولفت إلى أن ما يثار في عصرنا من شبهات ومغالطات حول صحيح الإمام البخاريّ لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه خلافًا علميًّا مجرّدًا؛ إذ إنّ النقد العلميّ المنضبط ظلّ حاضرًا في تراث علماء الحديث، ولم يكن يومًا مرفوضًا، بل كان من أسباب نضج هذا العلم ورسوخه وأمّا ما يروّج اليوم من دعاوى تخاصم مناهج المحدّثين، وتتجاوز أصول البحث العلميّ، فإنّه يستوجب من علماء الأمّة ومؤسّساتها العلميّة أن يجدّدوا عرض هذا التّراث بلغة العصر، وأن يبيّنوا أسسه المنهجيّة، ويكشفوا وجوه الخلل فيما يثار حوله، بالحجّة والبرهان، بعيدًا عن التشنّج أو الاكتفاء بمجرّد التلقّي.
وذكر أنه إذا نظرنا إلى الشّبهات والانتقادات التي توجّه اليوم إلى صحيح الإمام البخاريّ، وجدنا أنّها ليست موجّهةً إلى صحيح البخاريّ بوصفه كتابًا مؤلّفًا في جمع السّنّة وتوثيقها، وإنّما توجّه في الأساس إلى هدم السّنّة النبويّة؛ بهدف نقض حجّيّتها في التّشريع الإسلاميّ، معتمدين في ذلك على مناهج غربيّة خارجة عن قواعد علوم الحديث وضوابطها المعتبرة.
وتابع قائلا: "أثاروا شبهات متنوّعةً حول الإمام البخاريّ، رحمه الله؛ فمنها ما يتعلّق بعقيدته، إذ قالوا: إنّه يقول بخلق القرآن الكريم، وإنّه تأثّر بالدّيانة الزرادشتيّة والديانات الفارسيّة القديمة ومنها ما يتعلّق بحفظه، فوصفوه بأنّ حفظه أسطوريّ وغير حقيقيّ، وأنّه مجروح ومتروك الحديث، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فقالوا: إنّ مؤلّف صحيح البخاريّ شخصيّة مجهولة وغير حقيقيّة".
لذلك، كان لزامًا علينا جميعًا – في إطار تفنيد هذه الشّبهات – أن نجلّي خصائص ومميّزات أسانيد الإمام البخاريّ، ونبرز عبقريّته في اكتشاف علل الحديث ومعالجتها، ونسلّط الضوء على جميع الجهود المبذولة في خدمة صحيح الإمام البخاريّ؛ دراسةً، ومجالسةً، وسماعًا، ونولي اهتمامًا بمعالجة جميع الإشكالات والانتقادات الموجّهة إليه، بأسلوب علميّ رصين يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وأوضح أنه من أعظم الواجبات الملقاة على عاتق الأمّة اليوم أن تحوّل الاعتزاز بتراثها إلى عمل علميّ مؤسّسيّ متواصل؛ فتدعم البحث في علوم الحديث، وتيسّر نشر كنوزه، وتعنى بتحقيق مصنّفاته، وتخرّج أجيالًا تحسن قراءة هذا التّراث، وتقديمه إلى العالم بلغة العلم والبرهان.
فالأمّة التي حفظ الله لها سنّة نبيّها بهذا المنهج الدقيق جديرة بأن تواصل حمل هذه الأمانة، وأن تورّثها للأجيال كما تلقّتها عن أئمّتها؛ حفظًا، وفهمًا، وبيانًا، ودفاعًا، حتى يظلّ صحيح الإمام البخاريّ شاهدًا على ريادة الحضارة الإسلاميّة في التوثيق والنقد العلميّ، كما كان على امتداد القرون.
وثمّن جميع الجهود المباركة التي تبذلها جمهوريّة أوزبكستان في العناية بصحيح الإمام البخاريّ، وإحياء تراثه العلميّ، وتقريب علومه إلى الأمّة، من خلال عقد المؤتمرات العلميّة، ورعاية البحوث والدراسات، وتشجيع التحقيق والنشر، والعناية بالمراكز العلميّة والمعالم الحضاريّة المرتبطة بالإمام البخاريّ؛ إيمانًا منها بأنّ خدمة هذا التّراث ليست خدمةً لإمام جليل فحسب، وإنّما هي خدمة للسّنّة النبويّة، وصيانة لأحد أعظم مناهج التوثيق العلميّ التي عرفتها الإنسانيّة.
وأوضح أن هذه الجهود تقدّم نموذجًا يحتذى في الوفاء للعلماء، ورعاية التّراث، وربط الأجيال المعاصرة بأصولها العلميّة الراسخة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الاعتدال، وتعزيز الانتماء للهويّة الإسلاميّة، وتجديد الوعي بقيمة السّنّة النبويّة ومكانتها في بناء الحضارة الإسلاميّة وصيانة المعرفة الإنسانيّة.
كما أثمن الجهد العلمي الذي تتبناه المؤسسة الأزهرية، جامعًا وجامعةً، في صيانة التراث الإسلامي، وحراسة مصادره المعتمدة، والذبِّ عن ثوابته، إذ أولت صحيح البخاري عنايةً علميةً بالغة، دراسةً وتحقيقًا وتقويمًا، من خلال تناول قضاياه من زوايا معرفية متعددة، والكشف عن منهجه الدقيق في الرواية والنقد، وبيان مكانته في البناء المعرفي للأمة، مع تفنيد ما يُثار حوله من شبهات أو دعاوى تفتقر إلى المنهجية العلمية، وذلك بمنهج يجمع بين أصالة التأصيل ورصانة البحث ومقتضيات الخطاب المعاصر.
وأشار إلى تكامل هذه الجهود مع الرسالة العلمية التي تضطلع بها دار الإفتاء المصرية، عبر مراكزها ووحداتها البحثية المتخصصة، في تصحيح المفاهيم، وتحرير المصطلحات، ونقد التأويلات المنحرفة، ومواجهة الحملات الفكرية التي تستهدف الإسلام ومصادره ورموزه، وذلك من خلال إنتاج خطاب علمي رصين يستند إلى الدليل، ويراعي الواقع، ويكشف مواطن الخلل في التصورات المغلوطة، سواء تعلقت بالعقيدة، أو الشريعة، أو الحضارة الإسلامية وأعلامها، بما يعزز الأمن الفكري، ويحصن الوعي العام، ويرسخ الثقة بالمرجعية العلمية الرصينة في مواجهة دعاوى التشكيك والتزييف.





