رسالة من الشيخ فلان إلى حضرة السلطان سليم خان بن سليمان
كتب - محمد نسيم
تراث مدفون (8)
(نصوص عربية، ننفرد بنشرها)
في عالم المخطوطات، لا توجد ورقة واحدة ليست ذات قيمة، مهما بدا أنها غير مكتملة أو غير مفهومة، أو مجهولة الكاتب أو الناسخ أو الموضوع أو المضمون. مثل هذا المخطوط المكون من ورقة وحيدة، الذي ننقل منه هذا النص الغريب، الذي ننفرد بنشره هنا.
الورقة من مقتنيات معهد طوكيو للثقافة والدراسات الشرقية، بعنوان (ألقاب حضرة السلطان سليم خان)، والنص المدوّن بها يتكون من 400 كلمة، لا أكثر.
للوهلة الأولى يبدو أن النص كله لا يتضمن سوى ذكر لألقاب السلطان سليم الثاني، المتوفى عام (982هـ)، لكن عند الوصول إلى آخر سطرين في الصفحة يتضح شيء آخر.
في المخطوط أكثر من 350 كلمة في تفخيم وتعظيم السلطان سليم خان، تفخيما وتعظيما يصلان إلى حد التأليه؛ بحيث إننا لا نعرف من تم تفخيمه وتعظيمه في أي نص من النصوص كما تم في هذا النص، لا من ملوك الفراعنة ولا الأكاسرة ولا القياصرة ولا أي خليفة من الخلفاء، ولا حتى نبيا من الأنبياء.
والمعروف عن السلطان سليم الثاني أنه السلطان الحادي عشر في سلسلة السلاطين العثمانيين، وأن عهده كان بداية عهد السلاطين العثمانيين الضعفاء، وبداية تحول السلطة الفعلية من السلاطين إلى الوزراء، وبداية تحكُّم أميرات الحرملك في الحكم، وبداية عصر الهزائم الكبرى في تاريخ الدولة العثمانية، وبداية عهد الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية بعد أن كان المسلمون هم الغازيين في عهود أسلافه العثمانيين.
اشتهر السلطان بالسُّكر، وقعوده عن الغزو، وميله وركونه إلى الترف، حتى ورد أنه مات بسبب السكر. وتحكَّم في سياسة الدولة في عصره امرأتان، أمه (روكسلان) وزوجته (نوربانو سلطان)، بالإضافة إلى الصدر الأعظم (محمد الصقلي). وأعظم إنجازاته كانت إخماد ثورة قامت ضد الدولة العثمانية في اليمن.
نعود إلى حكاية المخطوط...
بالرغم من أهمية هذه الألقاب الفخمة في تعظيم وتأليه هذا السلطان ــ لمن أراد أن يتأمل ــ فإن المخطوط لا يتوقف عند هذا، بل نعرف من السطرين الأخيرين ما هو أكثر.
لم تكن هذه الصفحة مجرد صفحة لسرد ألقاب السلطان، بل نستطيع أن نستنتج أنها جزء من رسالة كتبها أحد شيوخ الحجاز، طالبا من السلطان فيها أن يُخفف عنهم الجزية أو أن يعطيهم عطاء خاصا، أو أن يفرض لهم فريضة، بسبب سوء الحالة التي يعاني منها أهل الحجاز، بما فيه من علماء وشيوخ، وبسبب ما حلّ بالحجاز من قحط أو مجاعة في ذلك الوقت، كما هو وارد في النص.
النص دعوة للتأمل في اللغة التي كان يخاطب بها العرب، ومنهم بعض العلماء، السلاطين والأمراء العثمانيين، ومدى ما أضفوه عليهم من صفات العظمة والفخامة التي تقترب من التأليه. وكذلك مدى سوء الحال الذي وصلت إليه الأوضاع في بعض أجزاء العالم العربي.
والآن، ننظر في رسالة الشيخ فلان، التي وجهها للسلطان.
...
نقرأ في المخطوط، ذي الصفحة الوحيدة، ما يلي:
حضرة السلطان سليم خان
سلطان سلاطين الزمان، وخاقان خواقين العصر والأوان، وخليفة الله الأعظم على أفراد بني الإنسان، ثالث العمرين صرامة وحزما من ملوك آل عثمان، ظل الله الممدود على كافة أهل الإيمان، وسيفه المسلول بيد القهر على أهل البغي والعدوان، مدمر الملاحدة بكل عضب صارم وسنان، قاتل الكفرة والمبتدعة وسائر حزب الشيطان، القائم بفرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى وإذلال أهل العصيان.
ذي المغازي الذي تتسلى آيات نصرها في المحافل والمشاهد، وتسند العوالي أحاديثها منه عن مقاتل ومجاهد، لم تكتحل عين الزمان برؤية من يوازنه أو يوازيه، ولم تنظر أحداق النجوم مع كثرة دورانها حول الأرض إلى من يساميه أو يساويه، صاحب الإمامة العظمى والسلطان الباهر، وارث الخلافة الكبرى كابرا عن كابر، متوج رؤوس المنابر والدفاتر، بذكره الكريم الفاخر.
مرغم أنوف الفراعنة والجبابرة، كاسر تيجان الأكاسرة، قاصر قصور القياصرة، هازم جنود البغاة وجيوشها، وهادم حصون الطغاة فهي خاوية على عروشها، ملك البرين والبحرين، والعرب والعجم والروم والترك والعراقين، والمشرق والمغرب واليمن والحبشة والخافقين، خادم الحرمين المحترمين الشريفين، عامر البلدين المكرمين المنيفين.
السلطان الأعظم، والليث الغشمشم، والبحر الغطمطم، ذي الخميس العرمرم، واسطة عقد ملوك بني عثمان، السلطان سليم خان بن سليمان خان، خلد الله أيام خلافته ما تعاقبت الشهور والسنون، وأجرى أحكام سلطنته في أكناف أطراف الربع المسكون، وجعل الملك كلمة باقية فيه وفي بنيه إلى يوم القيامة، ومنحه في الدنيا والآخرة ما يليق بجلال ذاته من أنواع العز والكرامة، وهذا دعاء لا يرد لأنه يزان به كل الورى والممالك، تراه بلا شك أجيب لأننا إذا ما دعونا أمّنته الملائك، فبابه الكريم العالي سوق يروج فيه ما كسد من بضائع الفضلاء، ويُرغب فيه إلى كل ما يُجلب إليه من متاجر العلماء النبلاء.
فقصة الأعرابي وإهدائه قربة ماء إلى خليفة الزمان، وأهداء النمل رِجْلَ جرادة إلى حضرة سليمان، معلوم عند كبراء أهل الشان، وكرماء بني نوع الإنسان.
والغرض هو التعلق بجبال الآمال، والتوسل إلى التوصل إلى فائض الإحسان والأفضال، والالتجاء إلى ذلك الظل الظليل من جور الزمان الظلوم، فقد أناخ بكلكله على خُدَّام العلوم، وطحنهم طحن الجائر الغشوم، سيما جيران بيت الله الحرام، وجيران نبيه سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد تواتر عليهم منذ سنوات المَحَلُ الشديد، إلى أن ذهب بالطارف والتليد، وشاب من هوله اليافع والوليد، ثم انتعشوا بعض الانتعاش، ورجعت إليهم أرواحهم بعد الانتفاش، بوصول حضرة الوزير المعظم، والمشير المفخم، والدستور المكرم، ممهد جمهور الأمم، مدبر نظام أهل العالم، فاتح ممالك اليمن، من أقصى كوكبان إلى عدن، دافع آثار الجور والفتن، وقالع مآثر الظلم والإحن، من أقاليم سيف بن ذي يزن! (.....).
.jpg)



