الخميس 01 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عُرف المصريون منذ القدم بحبهم للاحتفال بالأعياد والمناسبات و"الانبساط" بها من خلال تزيين البيوت والشوارع وتبادل التهاني، وتناول الأطعمة وتقديمها للضيوف مع الحلوى و"التسالي"، وارتداء الكتان الأبيض "الملابس الجديدة"، والموسيقى والرقص، وتقديم الهدايا للأصدقاء والعائلة.

 

وقد مزج المصريون القدماء في احتفالاتهم بين البهجة الدنيوية بالشكل الذي تقدم، والارتباط بالحياة الآخرة كزيارة المقابر بعد الاحتفالات، وصنع الكعك على هيئة تمائم لفتح أبواب النعيم للموتى، "حسب اعتقادهم".

 

مثلت الاحتفالات عند المصريين القدماء فلسفة حياة متكاملة تربط بين الإنسان والطبيعة والآلهة، وتجدد الدورة الكونية، وتضمن استمرارية الحياة والرخاء، وقد تطورت تلك الاحتفالات لتجمع بين مظاهر البهجة الدنيوية والطقوس الروحية، كما أثرت عاداته على احتفالات عالمية فيما يعد.

 

قُسمت السنة أو المواسم أو الأعياد عند المصريين إلى ثلاثة مواسم أو أعياد، وهي "أَخْت" وتعني الفيضان، و"پِرت" وتعني البذر، وشَمُو وتعني الحصاد، وكانت السنة عند المصري القديم 12 شهراً وكل شهر يتكون من 30 يوماً أي 360 يوماً، يضاف إليها 5 أيام إضافية عُرفت بــ"أيام النسيء" أو "أيام الولادة"، وهي أعياد ميلاد الآلهة- حسب اعتقادهم - وبهذا الشكل كانت السنة لديهم 365 بوماً، وقد اعتمدوا في ذلك على تقويم شمسي دقيق تبدأ السنة من خلاله مع ظهور نجم الشعرى اليمانية "سوبدت" أو"سيريوس"، والذي يتزامن مع فيضان النيل.

 

من هنا كانت احتفالات رأس السنة أو بداية السنة أو السنة الجديدة عند المصريين القدماء هي بداية فيضان النيل، ومن هنا أيضاً احتفلوا برأس السنة في مهرجان عُرف باسم "وبت رنبت" أي "افتتاح العام" أو "بداية العام"، والذي ارتبط فلكيًا بظهور نجم "الشعرى اليمانية" بعد غياب 70 يوماً، إيذاناً ببداية السنة الجديدة.

 

وقد رصد المؤرخون والمتخصصون أخذ العالم كله من الممارسات والطقوس الاحتفالية التي أرساها المصري القديم في احتفالاته بمواسمه وأعياده وخاصة أعياد بداية السنة؛ فقد أرسى المصري القديم القواعد والقيم الاخلاقية في الاحتفال بتلك الأعياد ليس فقط مع الزوجة والأسرة/ الأهل بل أرسى حتى أسس التعامل مع الخدم في ذلك اليوم، فكان ينصح أبناءه بأن يصطحب كل واحد منهم خادمه - يوم العيد- إلى المتنزه وأن يزيد عطاءه في هذا اليوم" إذا كنت تعطيه رغيفاً فأعطيه رغيفين"، وأن "يلبسه جديداً"، وهي تلك الطقوس التي تُمارس في الاحتفالات بكل الأعياد والمناسبات خاصة في عيد الميلاد أو رأس السنة، حيث تذوب الفوارق الاجتماعية في تلك الأعياد؛ فيسلم الرئيس على المرءوس ويتبادل معه التهاني والأمنيات وتصرف المنح والمكافآت، وتلبس الأثواب الجديدة.

 

أما شجرة الكريسماس المرتبطة باحتفالات رأس السنة أو عيد الميلاد، وهي (شجرة دائمة الخضرة تزين بالأضواء خلال احتفالات عيد الميلاد، وترمز للحياة الأبدية وتجددها وتوضع عادة داخل المنازل أو في الساحات العامة)، فيعتقد العديد من الخبراء الآثاريين أن جذور تقليدها تعود للحضارة المصرية القديمة، حيث كان المصريون القدماء يستخدمون الأشجار دائمة الخضرة مثل "النخيل" كرمز لتجدد الحياة وانتصارها على الموت. وفي حين أن شجرة الكريسماس - اليوم - خاصة في الغرب هي شجرة "الأرز" أو شجرة "الصنوبر" بشكليهما المخروطي كرمز للميلاد أو الاحتفال بعيد الميلاد، يرى بعض المتخصصين أن المصري القديم كان يحتفل بشجرة "الجميز" التي يصنع منها التابوت الذي سيحمل جثمان الموتى للعالم الآخر لبداية حياة جديدة، ولذا يرجعون رمزية شجرة عيد الميلاد إلى الحضارة المصرية القديمة.

 

أما المأكولات والمشروبات والهدايا وتبادل الزيارت التي تعد اليوم من أهم طقوس الاحتفال برأس السنة في العالم كله، فقد وجدت في موائد المصري القديم، خلال احتفالاته بأعياده، والتي كانت عامرة بالبط والأوز والأسماك المجففة والنبيذ بكميات كبيرة، كما تبادل المصري القديم الهدايا مع الأحباب والأصدقاء وخاصة مع زوجته التي كانت تسهر في ليلة العيد لتصنع له هديته بيديها، كما كانت الأسر المصرية قديماً تتبادل الزيارات خلال الأعياد والمناسبات وتقدم الأسرة المُضيفة لضيوفها شتى أنواع المأكولات، بالإضافة إلى الحلوى.. وغيرها.

 

لقد حكم اليونان والرومان مصر بعد الفراعنة وظل المصريون يحتفلون بأعياد بداية العام وأعياد أخرى خلال ذلك الحكم، حتى دخلت المسيحية مصر إبان الحكم الروماني، وبدأ الاحتفال بعيد ميلاد المسيح مصبوغاً بالصبغة المصرية القديمة وبنفس الطقوس الاحتفالية.

ومع دخول الإسلام إلى مصر واحتفال المسلمين بعيدي الفطر والأضحى ظل المصريون يمارسون أغلب الطقوس خاصة في "المأكل وتبادل الزيارات والخروج إلى المتنزهات.. وغيرها"، كما ظلوا يحتفلون بعيد الميلاد جنباً إلى جنب مع عيدي الفطر والأضحى وعيد القيامة ورأس السنة الهجرية.. وغيرها.

 

تحية لمصر والمصريين قديماً وحديثاً، الأمس واليوم والغد، على ما قدموه للعالم من نموذج حضاري رائع نهلت منه كل حضارات الدنيا وما زالت وستظل تنهل منه ومما يقدمه من معارف وخبرات وعادات وتقاليد وممارسات.

تم نسخ الرابط