السبت 22 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

تفاصيل حقيقة مدفن آخر سلاطين المماليك "طومان باي" ونقله من قبة الغوري (صور)

تفاصيل حقيقة مدفن آخر سلاطين المماليك "طومان باي" ونقله من قبة الغوري (صور)
تفاصيل حقيقة مدفن آخر سلاطين المماليك "طومان باي" ونقله من قبة الغوري (صور)

كتب - محمد خضير

أعدت "بوابة روزاليوسف" تقريرًا مصورًا عن مدفن آخر سلاطين المماليك السلطان طومان باي الذي تعلق به المصريون، من خلال مشاهدة مسلسل "ممالك النار"، وطرح البعض تساؤلات عن مقبرته.



في هذه السطور، نجيب عن كل التساؤلات الدائرة في أذهان المواطنين عن مقبرة طومان باي وحقيقة نقله من قبة الغوري إلى مدفنه الحالي بقبة طومان باي بحدائق القبة بطريق صلاح سالم.

كاتب هذه السطور، بحث عن حقيقة ما تضمه مجموعة الغوري، التي ثبت أنه لم يدفن فيها قنصوة الغوري، الذي سقط من حصانه في معركة مرج دابق وداسته الخيول، ولم يستدل له على جثة.

 

وتبين أن "قبة الغوري" التي أنشأها قنصوة الغوري ليدفن فيها بالغورية لم يدفن فيها ولكن دفن في الحوش الخلفي بها ابن شقيقه طومان باي، الذي تم شنقه وعلق على باب زويلة، وبعد ذلك تم تغسيله ودفنه بالحوش الخلفي بقبة الغوري.

 

ويقول الدكتور فتحي سيد أحمد، مدير عام آثار منطقة الأزهر والغورية، إن حقيقة الواقعة تعود إلى أن طومان باي بعد شنقه على باب زويلة دفن بالحوش الجنائزي بقبة السلطان الغوري، وبعد ستة أشهر تم نقله إلى مدفنه الحالي في منطقة بحدائق القبة على طريق صلاح سالم بالقاهرة.

 

وأشار الدكتور فتحي إلى أن المصادر تشير إلى أنه بعد إجراء مجموعة من الحفائر أثناء ترميم قبة الغوري في عام 2006 تبين عدم وجود جثمان بالضريح، وأنه ثبت أن تم نقله إلى مدفنه الحالي بحدائق القبة، وأن السلطان قنصوة الغوري لم يستدل على معالمه بعد المعركة ولم يدفن في ضريح.

 

 

تاريخ طومان باي

ويقول المؤرخ الكبير قاسم عبده قاسم، عن طومان باي في كتابه "عصر سلاطين المماليك: التاريخ السياسي والاجتماعي" - عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية - أنه "بذل طومان باي خلال سلطنته القصيرة التي استمرت ثلاثة أشهر جهودًا مضنية للدفاع عن مصر، وحاول طومان باي أن يستعد لملاقاة العثمانيين، لكن صدمته الحقائق القاسية، من خزانة خاوية، وموارد مستهلكة، وكانت النتيجة أن ينهار المماليك أمام العثمانيين.

 

 وأرخ أنه حين اهتز جسد طومان باي في مشنقته على باب زويلة كانت ذلك فصل الختام بالنسبة للدولة المملوكية، التي تحملت عبء التصدي للمغول والصليبيين، حتى جاء الاحتلال التركي يعلي عرقيته على الأعراق الأخرى في بلاد المسلمين.

 

"أصل الحكاية"

وذكرت كتب التاريخ أن أصل حكاية طومان باي آخر سلاطين المماليك، وهو السلطان الوحيد الذي مات مشنوقا على باب زويلة، إنه الذي بدأت ملحمته بعد هزيمة السلطان قنصوة الغوري على يد المجرم العثماني سليم الأول في موقعة مرج دابق.. فعندما توجه قنصوة الغوري بجنده لملاقاة جيش العثمانيين، أصدر مرسوما بتعيين طومان باي نائبا للغيبة "أي يتولى إدارة شؤون السلطنة في غياب الغوري".

 

ونعلم أن الخيانة لعبت دورا مهما في هزيمة السلطان الغوري، فقد كان من رجاله المقربين خاير بك، وجانبردي الغزالي، الجاسوسان اللذان تحالفا سرا مع السلطان العثماني.

 

 

 

الجاسوسان

كان لخاير بك "قائد ميمنة جيش الغوري" دور مهم في مساعدة العثمانيين على غزو مصر، وسقوط دولة المماليك، فعندما قام السلطان الغوري بملاقاة العثمانيين في مرج دابق، أبدى المماليك شجاعة نادرة وكادوا أن ينهوا المعركة لصالحهم، حتى إن السلطان سليم الأول فكر في الانسحاب، لولا أن حدث خلل كبير في جيش المماليك، حيث انسحب خاير بك بقواته وانضم إلى جيش العثمانيين، بعد أن أشاع هو ومماليكه أن السلطان الغوري قد قُتل، مما تسبب في انكسار جيش المماليك، وسقط السلطان الغوري صريعًا تحت سنابك الخيل، ولم يعثر له على أثر بعد ذلك.

 

وكمكافأة له ولاّه السلطان سليم الأول حكم مصر بعد أن ضُمت إلى الدولة العثمانية، وقد سخرت منه بعض المصادر وسمته «خاين بك»، وقد حكم مصر لمدة خمس سنوات وثلاثة أشهر.

 

جانبردي الغزالي

أما «جانبردي الغزالي»، وهو أحد الأمراء الذين فروا من «مرج دابق» وخان السلطان الغوري فعرض جنده للهزيمة دون أن يقاتل قتالا جديا، فبعد أن هزت أخبار انتصارات سليم الأول القاهرة، حيث كان طومان باي نائبا عن عمه السلطان قنصوة الغوري، ورأى أن يسرع بالزحف لمقاتلة العثمانيين بجنوب الشام، فأرسل حملة بقيادة جانبردي الغزالي لملاقاة العثمانيين في شمال غزة، فخرج جانبردي على رأس الجيش المصري إلى غزة، وبمجرد أن تراءى له جيش السلطان سليم حتى أسلم له «جانبردي» جنده ورعايته.

 

كما أنه عندما عاد إلى القاهرة مسرعا كأنه منهزم أفلت من الموت، ودخل على السلطان طومان باي يصف له ما لقي من شدة بأس ابن عثمان وقوة عسكره. ففتح الغزالي الطريق أمام عسكر المجرم العثماني سليم الأول، وبذا وصلت جنود العثمانيين إلى غزة في طريقها إلى مصر، وكمكافأة له ولاّه السلطان سليم الأول حكم دمشق.

 

 

وبعد أن فتح جانبردي الغزالي الطريق إلى القاهرة للسلطان سليم وجيشه، ظل سائرا حتى دخل قطيا، وهي مدينة في شبه جزيرة سيناء كانت الجيوش تتخذها نقطة ارتكاز وتموين، فلم يجد بها أحدا من عسكر المماليك، فأقام بها ثلاثة أيام.

 

 ثم إن السلطان سليما أمر بإحضار خاير بك ووزرائه "وزراء السلطان سليم"، وقال: ما تقولون في حيلة يكون بها تفريق شمل الجراكسة؟.. قالوا: وما هي؟.. قال: ائتوني بفلان الكاتب.

 

 وكان هذا الرجل يكتب بالسبعة أقلام، ويحاكي جميع الخطوط، فحضر، فقال له السلطان: أريد منك أن تكتب كتبا تحاكي فيها خطوطا مختلفة على لسان أمراء مصر، بأنهم معي في الباطن، ويحرضونني على المجيء إلى مصر، ويكونون معي، ويساعدونني على طومان باي، والأمراء وأخبرهم بذلك، فأنكروا جميعا، فتحير طومان باي، وكاد العسكر أن يقتل بعضهم بعضا.

 

ويضيف ابن زنبل: ونادي السلطان طومان باي في عسكره: كل من جاء برأس رومي له ما يريد من كل شيء، فساء ذلك جانبردي الغزالي. فلما دخل الليل دخل خيمته، وكتب كتابا، وختمه، وذكر فيه جميع ما فعله طومان باي، وأنه أخرج المدافع الكبار التي أودعوها في الجبل هناك، وجعل آلات الحرب في الريدانية، وقد أشرت عليهم بدفنها في الرمال، لئلا ينظرها أحد من الجواسيس فيخبرهم بذلك.

 

فقبلوا مني ذلك بعد جهد عظيم مني، خشيت على عسكر السلطان من هذا البلاء العظيم، والصواب أن السلطان يدور ويأتي من جانب الجبل فيصيرون إذا رموا لا يفيد رميهم شيئا. وأرسل الكتاب إلى خاير بك. فأوصله إلى السلطان سليم، فسر بذلك، وأجزل عطاء القاصد به.

 

وبطبيعة الحال انهزم طومان باي في معركة الريدانية، ولعبت الخيانة دورا مهما، فقد جاء عسكر سليم من جانب الجبل، وعندما ضرب عسكر طومان باي مدافعهم ذهبت إلى الفضاء الخالي.

 

ويقول ابن زنبل: «أما السلطان طومان باي، فإنه لما رجع من الحرب لم يجد أحدا من عسكره إلا وقد ولى منهزما من كثرة البندق والضرب بالزانات، فطلع من وراء القلعة، وقصد ناحية طرا، وتبعه بعض العسكر، سرية بعد سرية إلى أن سار معه سبعة آلاف فارس».

 

 وبعد أن اطمأن السلطان سليم، وأخبره خاير بك بما حصل، شكره السلطان على ما فعله من مساعدته لتمكينه ملك مصر، وبدأ في إرسال العسكر في أثر طومان باي بحثا عنه، فلم يجدوه ولم يجدوا بمصر جركسيا واحدا.

 

أما طومان باي فقد قرر العودة إلى مصر بمن معه من الجراكسة، وقوامهم سبعة آلاف جركسي، ليحاربوا عدوهم حتى يفنوهم عن آخرهم. نزل طومان باي عند جامع شيخون بشارع الصليبة، وتفرقت العساكر في الطرقات، فقتلوا من عساكر سليم نحو عشرة آلاف أو أكثر في ليلة واحدة.

 

 

وفي الصباح جاءت عسكر الروم "عسكر السلطان سليم" لملاقاة قوات طومان باي، فوقع بينهم القتال لمدة ثلاثة أيام، وفي كل مرة يرجع الروم منهزمين، حتى يقال إن الجراكسة قتلوا من الروم أكثر من خمسة عشر ألفا.

 

أما أن يركب هو بنفسه ويأتي من جانب القرافة "المقابر الموجودة حول مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة، ويلقى طومان باي، فإما له وإما عليه.

وظل طومان باي يقاتل من حي إلى آخر، حتى المعركة الأخيرة بمنطقة وردان "إمبابة حاليا"، حيث انكسرت شجاعة المقاومة أمام القوة الكبيرة والعتاد الضخم.

 

 فلجأ طومان باي إلى شيخ من العربان بالبحيرة، كان قد أطلق سراحه من السجن بعد توليه منصب نائب الغيبة، وهو الشيخ حسن بن مرعي، لكن هذا الشيخ غدر به وأبلغ عنه سليم الأول. فألقى العثمانيون القبض على طومان باي.

 

وفي يوم الاثنين الثالث عشر من إبريل سنة 1517 ميلادية، تحرك موكب طومان باي للمرة الأخيرة من معسكر سليم الأول بإمبابة، عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة، وانتهى الموكب الأخير لـطومان باي عند باب زويلة، شق شوارع القاهرة من الشرق إلى الغرب، وهو يسلم على أهل القاهرة المصطفين على جانبي الطريق، ولم يعلم أنه سيُشنق إلا عندما وصل، فوقف على قدميه.

 

وقال للناس من حوله: «اقرأوا سورة الفاتحة ثلاث مرات»، وقرأ الناس معه، ثم قال للمشاعلي: «اعمل شغلك»، حيث شُنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف. وظلت جثته معلقة على باب زويلة ثلاثة أيام.