الإثنين 26 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
نبيذ قديم قى قوارير جديدة

من الأفغانى إلى وثيقة الإخوة خدعة الأديان الأخيرة

نبيذ قديم قى قوارير جديدة

ترهل نظام مبارك وشاخ . تحولت مصر إلى جمهورية فساد. وأصبحت دولة رخوة. تفسخ المجتمع وانتشرت الفتنة الطائفية بشكل مخيف. انتشر التيار الدينى المتشدد فى كل مكان. تمكن الإخوان من مفاصل المجتمع فى صفقة من أقذر صفقات النظام لتوريث الحكم. لا تقل عن صفقة السادات فى بداية السبعينيات. راح الأزهر يتوسع فى صلاحياته ونفوذه وعلاقاته الخارجية تحت مظلة حماية سعودية. تمكن الإخوان من الأزهر. وأصبحت مفاصل الدولة تدار من قصر الحكم فى الرياض. 



كان محمد سيد طنطاوى أكثر مرونة وطاعة من سابقيه. إلا أنه لم يحدث تغييرا يذكر فى الأزهر ذاته. لكنه حرص مثل سلفه على دور الأزهر المؤسسى بصفته المفسر المرجعى للإسلام. ظل يتبنى بإخلاص نظرة للمجتمع تقوم على أساس الارتباط الوثيق بين الدين والسلطة السياسية  وتجلت هذه المواقف التي تتوافق مع نهج الإسلاميين للحكم السياسى. لكن الرجل لم يعارض أو يعترض على التواجد الوهابى داخل المشيخة. بل استقبل المعونات السعودية ووظفها لبناء مبان جديدة وقاعات للمؤتمرات وقاعات للمحاضرات. سميت أحد هذه المنشآت باسم أحد الملوك والشيوخ السعوديين . تدفقت أموال النفط كما لم يحدث من قبل . وفى استجابة طنطاوى لمؤتمر عقد عام 2004 حول الإصلاح الدينى والسياسى بمصر. كان المشاركون فى المؤتمر قد طالبوا بمزيد من الحرية فى المجالين السياسى والروحانى. ودافعوا بخاصة عن الحق فى الاجتهاد فى تفسير النصوص الدينية والفقهية. علق طنطاوى فى حوار له مع صحيفة الرأى العام الكويتية بالقول أن لمن شاركوا فى المؤتمر تأثيرا مدمرا على المجتمع المصري ويجب وقفهم وتقديمهم للمحاكمة. وبالمثل عبر طنطاوى عن الموقف التقليدى المتزمت بشأن الاجتهاد . حيث ذكر فى نفس الحوار أنه يسمح به فقط طالما يتسق مع آراء الفقهاء المعترف بهم . لقد ظل طنطاوى مثل عناصر الأزهر الآخرين من أعمدة النظام السياسى الإقصائى . مؤكدا دوره فى الدفاع عن الحق والفضيلة والتصدى لكل من يسىء إلى الإسلام . استمرت حكومة مبارك فى استخدام الدين والمشاعر القومية من أجل ترسيخ القبول الأعمى لسلطة الدولة. أسهم هذا فى أسلمة المجال العام وإضفاء الصبغة المتشددة على الحياة السياسية .  أدى ذلك إلى وجود بيئة سياسية خضع فيها الأقباط والمفكرون العلمانيون وذوو الآراء الدينية المخالفة لإجماع الغالبية. حيث خضعوا للاضطهاد المنظم وغالبا بتواطؤ من الدولة. كما ساعدت تلك البيئة أيضا على تشكيل المدركات الشعبية عن دور النساء فى المجتمع . كانت أهم ضحية للمعارك الأيديولوجية التي ظلت تثار طوال الثلاثين عاما هو مفهوم مصر كمجتمع تعددى يتم وصم الحق فى الاختلاف فكريا كان أم سياسيا يساوى بينه وبين الخيانة. حيث ساعدت الدولة من خلال دعمها للدين المحافظ فى المجال العام على وجود مجتمع يتمسك بشكليات الدين ومجتمع منقسم طائفيا على مدى الثلاثين عاما . كانت الفكرة القديمة مازالت صالحة للتحقيق . فكرة الكسندر دى مارانش مدير جهاز أمن الدولة ومكافحة الجاسوسية بفرنسا عام 1971  وهو التعاون مع الإسلام الذي رآه قوة صاعدة ومؤثرة مع تراجع الفكر القومى بعد 1967 . كان اقتراب مارانش من هذا الهدف باقتراح حوار بين المسيحية والإسلام . ففى بداية الألفية الجديدة وتحديدا بعد اعتداءات سبتمبر 2001 . ظهرت فى باريس أيضا دعوة إلى حوار الأديان. المشروع القديم لدى مارانش يطرح نفسه من جديد. وعلى حسب تعبير سفير فرنسى سابق (نفس النبيذ القديم معبأ فى قوارير جديدة). وفى حين كان المشروع القديم كان طرفه الإسلامى هو السعودية. فإن المشروع الجديد بدأ وكان طرفه الإسلامى هو مصر. وفى حين كان الراعى الإسلامى السابق هو مفتى السعودية الشيخ بن باز الذي توقف عند منتصف الطريق وانسحب. فإن الراعى الإسلامى هذه المرة كان الأزهر وشيخه محمد سيد طنطاوى الذي لم يعارض ولم يرفض ولعله انتظر إشارة من الدولة تدل على ما تراه صالحا للأزهر وللبلد. وأصبح اسم المشروع المستجد هو حوار الأديان . أى أن الحوار المستجد يقترب أكثر من اليهودية. وكانت إسرائيل تحاول أن تأخذ الناحية اليهودية فى الحوار لحسابها وكان ذلك فى الإطار الذي جاء فيه حاخامات إسرائيل وأولهم الحاخام (لاو) ودخلوا إلى رحاب الأزهر . (نبيذ قديم فى قوارير جديدة) . كان قد تبدلت الأمور تماما بعد انفجارات 11 سبتمبر من عام 2001 . وتحققت نبؤة وزير الثقافة الديجولى أندريه مالرو الذي كان يستشعر خطر الدين وهو يقول قبيل وفاته عام 1976 القرن الحادى والعشرون سوف يكون قرن الدين أو لن يكون أبدا . كرر تونى بلير رئيس وزراء إنجلترا عام 2008 فى نيويورك ما قاله مالرو مع تغيير فى الألفاظ. حين أعلن وهو يدشن منظمته مؤسسة الإيمان . أن العقيدة الدينية سيكون لها بالنسبة إلى القرن الحادى والعشرين من الأهمية مثل ما كان للأيديولوجية السياسية فى القرن العشرين. ظهر جمال مبارك ووضح نظامه كاملا . كان يبحث عن شرعية وشعبية تتيح له تولى الرئاسة. فتحالف علنا مع الإخوان وما إن فضح الإخوان الصفقة اضطر النظام لاستعمال العنف وتحويل الصفقات العلنية إلى سرية . جاء رجال جمال من الدعاة الجدد وجاء بشيخ أزهر جديد بعد وفاة الدكتور طنطاوى . وهو الدكتور أحمد الطيب . كان الطيب قد عمل من قبل أن يتولى رئاسة جامعة الأزهر ثم شيخا للأزهر فى جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. ثم جامعة قطر. ثم جامعة الإمارات. ثم عميد كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية العالمية - إسلام آباد بباكستان . وفى 19 مارس من عام 2010 عين شيخا للأزهر . كان أحمد الطيب عضوًا بأمانة السياسات الحزب الوطني – حضانة جمال مبارك للوصول للحكم - . وعندما عين شيخا للأزهر رفض فى البداية الاستقالة من الحزب الوطني الديمقراطى بحجة عدم وجود تعارض بين الاثنين . لكنه استقال من الحزب فى النهاية . وعن رفضه للاستقالة من الحزب باحتمالية تبعية الأزهر للنظام السياسى قال الطيب «أن مؤسسة الأزهر لا تحمل أجندة الحكومة على عاتقها . لكن الأزهر لا ينبغى أن يكون ضد الحكومة لأنه جزء من الدولة وليس مطلوباً منه أن يبارك كل ما تقوم به الحكومة. وعندما جئت شيخاً للأزهر وافق الرئيس مبارك على استقالتي من عضوية المكتب السياسى للحزب الوطني كى يتحرر الأزهر من أى قيد » . وفشل المشروع السياسى كله وانهار . لكن المشروع الدينى بقى طافيا على السطح عائما على جثث المشروع السياسى . وتحول مشروع دى مارانش من حوار الأديان إلى وثيقة الأخوة الإنسانية . فى 4 فبراير 2019 بدولة الإمارات وقع الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وثيقة الأخوة مع البابا فرنسيس بابا الفاتيكان بحضور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبى والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد أبوظبى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. كان أهم بنودها أن العلاقة بين الشرق والغرب هى ضرورة قصوى لكليهما لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها ليغتنى كلاهما من الحضارة عبر التبادل وحوار الثقافات . فبإمكان الغرب أن يجد فى حضارة الشرق ما يعالج به بعض أمراضه الروحية والدينية التي نتجت عن طغيان الجانب المادى . كما بإمكان الشرق أن يجد فى حضارة الغرب كثيرا مما يساعد على انتشاله من حالات الضعف والفرقة والصراع والتراجع العلمى والتقنى والثقافى . ومن المهم التأكيد على ضرورة الانتباه للفوارق الدينية والثقافية والتاريخية التي تدخل عنصرا أساسيا فى تكوين شخصية الإنسان الشرقى وثقافته وحضارته والتأكيد على أهمية العمل على ترسيخ الحقوق الإنسانية العامة المشتركة بما يسهم فى ضمان حياة كريمة لجميع البشر فى الشرق والغرب بعيدا عن سياسة الكيل بمكيالين. فى 14 مايو من عام 2020 أطلقت لجنة الأخوة الإسلامية مبادرة دعت فيها الشعوب فى جميع أنحاء العالم إلى التوجه إلى الله بالصلاة والصوم والدعاء وأفعال الخير. كل فرد فى مكانه وعلى حسب دينه أو معتقده أو مذهبه من أجل أن يرفع الله وباء «كورونا» . وهى الليلة التي تواكب الاحتفال الـ72 بإعلان دولة إسرائيل . القصة التي ستروى هذه المرة تحت رعاية إماراتية . نبيذ قديم فى قوارير جديدة!