السبت 31 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حدث ذات يوم فى هوليود

حدث ذات يوم فى هوليود

كان هنرى كيسنجر هو مهندس الصفقة. ذلك كان فى بداية السبعينيات. راح كيسنجر وجاء. راح وجاء. من بكين لواشنطون. ومن القاهرة لتل أبيب. وابتكر كعادته وهو على متن طائرته مصطلح الرحلات المكوكية. كان يريد أن تنجح تجربته فى تطويق الاتحاد السوفيتى. فى حقيبته كانت كثير من الأوراق تمثل عقودا ووعودا لزوم الصفقات. لزوم الإغواء. كانت الصين فى الانتظار. لقد طال الانتظار. كانوا يجلسون على النهر حتى تمر جثث أعدائهم أمامهم. وجاء نيكسون. ليوقع ميثاق شنغهاى مع ماو تسى تونج.



فى حقيبة كيسنجر للإغواء. كان عقد دخول بطل بكين الملهم «لى جان فان» وشهرته    «بروسلى» إلى الولايات المتحدة. بطل من نوع فريد فتحت هوليود أبوابها أمامه ليكون نجم شباك وأول ممثل صينى فى التاريخ يكون بطلا لفيلم أمريكى. كان عراب بروسلى هو النجم الشهير «ستيف ماكوين». واحدا من أهم نجوم هوليود ممن كان لهم أدوار سياسية من أجل الأمة الأمريكية. عندما مات بروسلى كان أحد حاملى نعشه ستيف ماكوين. كان فى حقيبة هنرى كيسنجر فى زيارة نيكسون الشهيرة لبكين بجانب عقد بروسلى عقدين لأكبر شركتين فى الولايات المتحدة. عقد لشركة كوكاكولا وعقد لسلسلة مطاعم ومبى. عند دخول أول شحنة للكوكاكولا الأراضى الصينية. احتفلت الشركة ومعها كبار رجال الدولة الأمريكية بواقعة هى الأولى فى التاريخ بوجود أول سلعة أمريكية فى كل بقاع الأرض. لقد غزت الزجاجة المصممة على شكل - المرأة ذات الفستان الضيق - كل الكرة الأرضية. كانت الصين تنظر صامتة. وتوقع معاهدة شنغهاى وهى تعلم جيدا ماذا تريد منها. كانت توقع العقود الأمريكية فى هدوء. وبعد نصف قرن من الزمان كانت بكين تبتسم ابتسامتها الشهيرة. وبضائعها تغزو الأسواق الأمريكية والأوروبية التي تدور فى فلك الولايات المتحدة. بل وتغزو هوليود نفسها. ليس بممثل واحد فقط بل بشركات إنتاج ضخمة وولاءات من داخل هوليود. الأمر الذي أفقد أجنحة فى الدولة الأمريكية أعصابها. بل وفقدت بعض التيارات فى هوليود أعصابها وجن جنونها. فانتجوا فيلما باسم «حدث ذات مرة فى هوليود» أبطال الفيلم تم اختيارهم بعناية. وكان البطل الأهم هو براد بيت كبطل دور ثان. وكان تاريخ دوره فى الفيلم بطلا من أبطال الجيش الأمريكى الذي حارب فى فيتنام. ثم عمل مساعدا لنجم فى هوليود – ليوناردو دى كابرى – وفى مشهد هو الأهم والأخطر فى الفيلم. يتقابل براد مع النجم الصينى بروسلى وتحدث بينهما مشاجرة. ظهر بروسلى فى المشهد وكأنه شاب أبله. يصرخ ويقوم بحركات بهلوتنية لا معنى لها. وعندما بدأت المشاجرة سحقه المواطن الأمريكى الآتى لتوه من حرب فيتنام. ولم ينس مخرج الفيلم أن يظهر دور وأهمية «ستيف ماكوين» فى حياة هوليود الاجتماعية والسياسية. لقد سحقت هوليود تاريخ بروسلى فى مشهد واحد. تقدم الفيلم لمسابقة الأوسكار 2020. وفاز براد بيت بجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد. بقى أن نعرف أن براد ينتمى للحزب الديمقراطى ومن أصول إنجليزية. المشهد وكأن الأمريكان يخرجون لسانهم للصينيين. وهو فى حقيقة الأمر تتنصل الولايات المتحدة من أى تعاهدات قديمة ومن أى تعاملات سلمية تمت من قبل. لقد بدأت الحرب الدفاعية الأمريكية. وهى المرة الأولى فى تاريخ الولايات المتحدة أن تدخل حربا هكذا. لقد توغل الصينيون أكثر من اللازم وانتشروا أكثر من المتوقع وشنوا حربا اقتصادية عالمية هى الأولى من نوعها على الغرب. لأول مرة فى تاريخ الغرب تقوم حرب ضده دون أن يكون هو من خطط لها وقام بإشعالها لتحقيق مصالحه الخاصة. هم من ساعدوا هتلر ليشن حربه على كل أوروبا وساندوه ثم قضوا عليه. انتهج الصينيون خطوات متتالية لحربهم الاقتصادية. فى المجال التجاري والاقتصادى حيث يتعلق الأمر هنا بالسعى إلى أحداث حالة من الاختناق الاقتصادى البطىء للولايات المتحدة وحلفائها معبرا عنه بتوقف فى معدلات النمو الاقتصادى بها. وكما نعلم أن اليوان ظل بصورة عمدية عند مستويات منخفضة للغاية بما يسمح للصين بتحقيق فوائض تجارية كبيرة وبصفة مستمرة. وهذا يعنى وجود عجز تجاري فى المقابل لدى بلدان مجموعة السبع التي تتعامل مع الصين. هذا العجز التجاري يخنق الأنشطة والعمالة فى هذه البلدان. والحكومات الغربية ترد على ذلك بإنتاجها لسياسات نقدية ومالية قد تعتبرها قمة فى الكفاءة لكنها فى نهاية المطاف تزيد الطين بلة وتؤدى إلى تردى الحالة المصرفية والمالية والاقتصادية بها. أما فى المجال النقدى فعندما تبدأ عملية الاختناق الاقتصادى البطيء للولايات المتحدة وحلفائها. تبدأ عملية الهجوم النقدى والمالى من خلال حرمان الولايات المتحدة من أحد مزاياها الأساسية وهو عملتها (الدولار) كمخزن للقيمة وكأهم عملة فى الاحتياطى النقدى الأجنبى الرسمي. وكذلك الحال بالنسبة لأوروبا من خلال حرمانها من هذه المضغة التي لم تنضج بعد إلا وهى عملة اليورو باعتبارها العملة الثانية فى الاحتياطى النقدى العالمى. فلو قامت الدول النفطية بتحصيل فواتيرها بالذهب أو أصروا على عدم قبول الدولار فالولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة للسحب من احتياطاتها من الذهب ولن تتردد ولو للحظة فى طلب المعونة من الصين فى شكل قروض وكميات ضرورية من الذهب من أجل أن تدفع فاتورة وارداتها البترولية. ثم تجريد الدول الغربية من استخدام أية وسيلة للخروج من أزمة العجز فى ميزانياتها وذلك بتفعيل مشكلة الدين العام مع إثارة حالة الانفعالية تجاه الفشل فى مواجهة أزمة الديون العامة الغربية. وتسعى الصين لحرمان تلك الدول من استخدام سلاح الميزانية من خلال تدابير التحفيز وغيرها. وكذلك دفعهم لتطبيق سياسات تقديرية للميزانية فى اللحظات السيئة. كما تتحرك الصين بصبر وحزم وعزم على إثارة أزمة ممنهجة فى البلدان الغربية والتي تضمن لها نجاحا جيوسياسيا فى التو واللحظة أو افتعال عملية تضمن ركودا وكسادا مستمرا فى هذه الدول بما يضمن لها كذلك نجاحا جيوسياسيا حتى ولو كانت ستحظى بهذا النجاح فى حال وصولها إلى الهيمنة العالمية. كما تسعى الصين بجانب ذلك إلى توظيف نجاحها على المستويات الاقتصادية والتجارية والنقدية والمالية لوضع بصماتها فى كل الجوانب والمجالات الأخرى التي تمثل جزءا من المواجهة التي تقوم بالإعداد لها على المستوى التكنولوجى. حيث يلحظ أن دينامكية شركاتها والقوة المالية للدولة تسهم فى مساعدة الصين على تطوير سياسة طموحة فيما يتعلق بالتعليم الجامعى خاصة فى مجال البحث والتطوير. وعلى المستوى العسكرى تتمتع الصين بحصيلة مالية ناتجة من الفوائض التجارية التي تمكنها من زيادة نفقاتها العسكرية وهذا ما لا تستطيع القيام به الولايات المتحدة فى ظل الركود الاقتصادى الذي يقيد مواردها المالية. وكذلك فى ظل توجيه جزء كبير من هذه الموارد فى شكل نفقات اجتماعية لمواجهة البطالة. الضغوط المالية المتناهية يمكن أن تجعل الولايات المتحدة مضطرة لخفض ميزانية وزارة الدفاع. وعلى المستوى الجغرافى تسمح القدرة المالية للصين على الاستحواذ على مناجم معدنية وأراض زراعية وأن تسيطر على دول بأكملها وخاصة التي تديرها حكومات ضعيفة أو فاسدة أو ديكتاتورية. وهى نفس الطريقة التي اتبعها الأوربيون فى نهاية القرن التاسع عشر. وبالتالى تعمل الصين على توسيع المساحة التي تتحكم فيها وتضمن لنفسها بالتالى نفاذها للأسواق العالمية لبعض المواد الأولية. كل ذلك مقابل تقليص تلك المساحة التي تبقى متاحة أمام الولايات المتحدة وحلفائها. أما على المستوى الدبلوماسى نرى أن الصين فى طريقها لتحويل بعض الدول الشريكة لها إلى «عملاء سياسيين» وذلك لما تمنحه إليهم من فرص للنمو الاقتصادى والتجاري وكذلك قدرتها على تقديم القروض. هؤلاء العملاء من الدول يساندون ويستمرون فى مساندة وجهة النظر الصينية فى كل المنتديات الدولية من الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومجموعة السبع. على المستوى الثقافى تستطيع الصين بفضل قدرتها المالية أن تسمح لنفسها بأن تقوم بتدعيم اللغة الصينية لنسبة متزايدة من سكان العالم وبطريقة يمكن معها أن تصبح اللغة الصينية منافسة للغة الإنجليزية فى عدة مجالات خاصة اقتحام هوليود والمسلسلات التليفزيونية الأمريكية من أجل إطلاق قنوات مؤيدة للصين. وعلى المستوى الأيديولوجى نرى أن الصين كسائر الدول الشمولية تسعى لاستقطاب المفكرين الأجانب ووسائل الإعلام ورجال السياسة ممن سيقومون بالتبشير للسياسة الصينية فى أوطانهم داعين المواطنين بالتسامح مع الصين والتعاون معها. أما الاستراتيجيات القائمة على شعار فى - خدمة الصين - ليست ساذجة فهى تدرك جيدا أن المواجهة القادمة ستكون ولا محالة مع الصين. وستتم على جميع المجالات. وسيكون الشرق الأوسط ساحة للصراع. وهنا سيكون لمصر دور. مهم وخطير. كالعادة.