الإيمان هو نقيض الكفر .. ولا يعرف الشيء إلا بنقيضه .. والإيمان هو اليقين النفسي بموجود أو بشيء ودليله هو السلوك التلقائي الدال عليه ، فيقينك بضرر النار يمنعك من لمسها .. ويقينك بضرورة المياه يدفعك لشربها .. ويقينك بالموت يخيفك منه .. ويقينك بوجودك يحرك فيك جوارحك ..
أما الكفر بالشيء فهو نكران وجوده .. وهو في حد ذاته فعل مجتريء وباطل لأنه في حقيقته يحتوي على الاعتراف بالمنكر وجوده رغم إظهار إنكاره ، وهو ما يغفل عنه الكفرة عند إنكارهم للموجود بفعل نفسي جائر ومعيب ومبني على رفض الاعتراف بما توقن النفس بوجوده ، ولذلك فالكفر يستوجب الحساب والعقوبة .
والإيمان بالله ينقسم في حقيقته لأنواع ثلاثة لا رابع لها ، وأولها الإيمان بوجود الله (ألوهيته) ، ثم الإيمان بقيومية الله (قيوميته) على خلقه ، ثم الإيمان بربوبية الله (ربوبيته) على خلقه .
أما الإيمان بالألوهية فهو إيمان بأنه لا إله غيره ولا شريك ولا صاحبة ولا ولد منزه عن كل الصفات والأوصاف ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وتلك عظمة ألوهية الله .
أما الإيمان بقيومية الله على خلقه ، فهو إيمان بأنه الخالق المتحكم وصاحب القرار والقدر والتقدير والأمر ، وأمره نافذ فلا غالب له ، وقدره لا اعتراض عليه وذلك هو الإيمان وكل خلقه خاضع لمشيئته وقدره وقضاءه ودليله الطاعة لأوامره.
أما الثالث فهو الإيمان بربوبية الله وهي تعني الإيمان بقدرته على خلقه ورعايته لهم والثقة في كرمه وعطاءه ورحمته وقربه وعفوه ومغفرته وعونه لخلقه ، والرضا برزقه والحياء منه ، والخوف من غضبه وسخطه وعقابه .
وعكس الإيمان هو الكفر فمن كفر بوجود إله فهو كافر بألوهية الله ، أما الكافر بقيومية الله عليه فمثله من أشرك مع الله آلهة أخرى أو صاحبة أو ولدا في ملكه ، لأنه يرى أنه أقدر من الله على تنظيم ملكه أو أنه يرى ما لا يراه خالقه ، وكذلك من يرفض قضاء الله ويعترض على قدره وتقديره ومن يجادل في أمر الله ويتعمد مخالفته شعورا منه أنه يرى ما لا يراه ربه وأمثالهم كثيرون ممن يرون أنهم الأطهار وأن الله خلقهم وجعلهم على الحق المبين وسواهم كفرة ولا نجاة لهم .
وقد تكرر أمثال الكفرة بقيومية الله في التاريخ مرات ومرات فرأيناهم بداية فيمن ادعوا أن الفرعون هو ابن الإله المنزه الخالد ثم تكررت في قوم عاد عندما تكبروا وتجبروا وظنوا أنهم قادرون عليها ولا يقدر عليهم شيء ، ثم تكررت في اليهود فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه وبقية خلق الله ليسوا إلا حيوانات خلقهم الله لخدمة اليهود ، وتبعهم عبر التاريخ من قلدوهم من الأمم وادعوا أنهم عيال الله وأحباؤه وأن الله ضحى بابنه الوحيد ليكفر خطايا العالم الأبدية وكأنه سبحانه عاجز على أن يغفر لهم بكلمة ، وهو من يقول للشيء كن فيكون ، حيث تكذب اكتشافات العلم الحديث كل ادعاءاتهم فإذا كانت الحياة على الأرض لها مثيل في أكثر من مليار كوكب آخر في الكون فهل ضحى الله بمليار من أبنائه ليغفر خطايا كل خلقه من فئة العمار التي نحن البشر ننتمي لها .. مثلا .. أم يصرون أننا سادة الكون وأقرب لله من كل خلقه ...
وتكرر الكفر بقيومية الله تباعا في نوعيات أخرى من البشر فرأيناها في الخوارج والمعتزلة والحشاشين وغيرهم ، وتبعهم بعض طوائف الشيعة في تقليد أعمى لليهود ، ثم ظهر الامتداد للكفر بقيومية الله حديثا في فئتين ما زلنا نعاني منهما هما الوهابيين والإخوان وهم من ظهروا على سطح المجتمعات المسلمة في بدايات القرن الثامن عشر ثم تكرر ظهورهم في القرنين التاسع عشر والعشرين وكلاهما يجتمعان على أنهم الأطهار وأصحاب الدين المطلق ومن خالفهم فهو كافر محلل دمه وماله وعرضه ، وأنهم في الجنة وغيرهم في النار ويستحلون الكذب والخيانة والتدليس والتزييف والسرقة والقتل بل والدعارة ولديهم لكل خطيئة وكبيرة فتاوى تحللها لهم فقط وتجعل منها تقربا لله ، فالله في عقيدتهم (على قدر أهوائهم) كما يقول المؤرخون .
فالإخوان والوهابيون (السلفيين) في صورهم الحمقاء والمزرية التي تتكرر حاليا هم أحد صور الكفر بقيومية الله لأنهم يرون ما يخالف قدر الله في خلقه ، ويجعلون من دين الله مطية لأهوائهم ورغباتهم ، ويحاربون الله في خلقه ويقسمون البشر تبعا لأهوائهم وأهدافهم الزمنية والمكانية ، فلا مانع من أن يقف احتراما للنشيد الوطني الأمريكي والفرنسي واليهودي ولكنه يحتقر نشيد وطنه وعلمه لأنه في نظره كفر وعلمانية وليبرالية كافرة وملعونة .
ولا مانع لديهم من الزج بالنساء لتتصدر المظاهرات وتقوم بالصراخ والسباب والتخريب لأنها فقط تنتمي إليه فهي بذلك مجاهدة في سبيل الله حتى ولو بالدعارة في نهار رمضان في الشوارع باسم الجهاد ، ولكن غيرها لو خرجن من بيوتهن فهن داعرات وفاسقات ويستحققن ما يحدث لهن من تحرش وسحل وقتل .
فالإخوان مقارنة بإبليس لعنه الله هم أكثر خطيئة في الكفر بقيومية الله على خلقه ، لأن إبليس بالمقارنة بجهله كان أقل منهم جرما فقد رأى أن ابن آدم من نوعية خلق مختلفة وجسده أقل قدرة وارتقاء من جسده الناري ، وهذا ما تخيل وفهم إبليس لعنه الله فرفض السجود له (فعصى آدم ربه فغوى) فكان كافرا بقيومية الله عليه ، ولكن الإخوان والسلفيين يرون غيرهم من بني جلدتهم وبشرا مثلهم ومن يدينون بنفس الدين لا يستحقون الحياة ولا الاحترام لمجرد اختلافهم في الاعتقاد والفهم ، فهم أكثر أجراما وكفرا بقيومية الله على خلقه .. لو كانوا يفقهون .
وزيادة في الإمعان في الكفر بقيومية الله هم يدلسون على أتباعهم المغيبين ويكسرون حدود المنطق والعقل والعدل في نظرتهم لغيرهم فهم كافرين بعدل الله بين خلقه ، ويرون أن الله لابد وأن يميزهم عن بقية خلقه ،فهم الأطهار حتى ولو مارسوا الدعارة ، ومرسي رغم جرائمه وفضائحه فهو رسول الله وهو أفضل من سيد الخلق وهو منزه عن الخطأ ، وحتى لو فشل أو حوكم وسجن أو حتى مات فسوف يعود ، ويرددون إن مرسي سينتصر على الشعب حتى ولو كان الله مع الشعب وهو ما سمعناه منهم مرارا ويرددونه دون حياء وفي ذلك كفر بقيومية الله بأشد وأحقر مما كفر به إبليس .
ولا يختلف السلفيون كثيرا عن الإخوان فالمنبع والمنشأ والمبادئ واحدة ، ولا ينسى أحد تاريخهم الأسود في قتل الأطفال والنساء والشيوخ واستباحة الدماء والأعراض والأموال لمن خالفهم ، بل ورأينا مندوبهم يعترض وبشدة على إقرار منع الإتجار بالنساء والأطفال في الدستور ، ورأينا استحلال امتهان المرأة واتخاذها وسيلة للمتعة حتى أن أشهر شيوخهم تزوج بأكثر من عشرين بنتا بكرا ، وآخر جمع ما يقارب المليار واختفت الأموال دون حساب ، وآخر استحل الزنا رغم زواجه من أربعة وبعضهم الآن مشغول بفتوى فوائد إتيان المرأة من دبرها مخالفة لدين الله فلا دين لهم سوى مظاهر متخلفة وبالية يستترون خلفها من أجل الغب من متع الدنيا .
ولذلك فليحذر كل منا من التورط في الكفر دون أن يدري ، فغيرك المسيحي واليهودي والصابئ والمجوسي وغيرهم لم يخلقهم الله في مجتمعاتهم ودياناتهم وبلادهم وظروفهم وهو كاره لهم وليسوا هم أفضل منا ولا نحن أفضل منهم ، ولكنه قدر الله في خلقه والله علمنا في كتابه أنه يحاسب كل إنسان على معطياته وظروفه وعلمه وما خلق الله اختلافنا وتنوعاتنا إلا لنتعارف ونتعاون ويعلم بعضنا البعض بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأفضلنا عند الله هو أكثرنا تقوى لله وأكثرنا نفعا لغيره من الخلق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 .
وليس على أحد من البشر حساب غيره وما جعل الله بشرا مسيطرا على بشر ولا أعطى الله حق التكفير لبشر ، (ذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ، إلا من تولى وكفر ، فيعذبه الله العذاب الأكبر ) بل إن الله لم يشترط على كل البشر الإيمان بكل معطيات المسلمين ليقبلهم ، ولكنها درجات من العلم والدين ولكل إنسان فرصته ليكون رفيق الأنبياء والصديقين والشهداء ومن ساكني الفردوس الأعلى مهما كان دينه ومهما كانت جنسيته وانتماؤه ، فالله يضع شروطا ثلاثة لقبول الإنسان وهي الإيمان بالله ، والحساب في الآخرة ، ثم العمل الصالح لفائدة البشر على الأرض وهو ما يقرره الله ولا يلتفت إليه الكافرين بقيومية الله في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 .
وأما الاختلاف في العقيدة والفهم والإيمان فلسنا مأمورين بقتل غيرنا أو إجباره على الإيمان (لا إكراه في الدين) وهو ما قرره الله في قوله تعالى (إنك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ثم قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }الحج17 ، فعجبا لمن آتاهم الله قمة العلم بالكون والخلق في كتاب (فاتخذوه مهجورا) ، وصنعوا منه أحجبة للمراسم والمواسم والمناسبات ونسوا أنه يحتوي على علوم الدنيا والآخرة ، رغم أن الله أبلغهم بقوله (وما فرطنا في الكتاب من شيء ) وحذرهم فتغافلوا عن تحذير الله (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).. حتى أصبحنا (كالحمار يحمل أسفارا) ..