الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

بين أخلاق الفقر .. وفقر الأخلاق .. يحيا الإنسان على كوكب الأرض عبر سبعة آلاف عام مضت حائرا وربما ممزقا وينتقل من صراع لصراع ومن كبوة لأخرى غارقا في بحور الأمل أن ينتشل نفسه يوما ليحيا حياة أفضل مما يعانيها من جراء سقوطه ما بين أخلاق الفقر .. وفقر الأخلاق .

وأخلاق الفقر نراها واضحة بل ونعايشها ونتعايش معها في المجتمعات الفقيرة والتي يتصارع فيها البشر من أجل البقاء ، ولقمة العيش وربما شربة ماء ، فترى من يحاول تجاوزك في أي طابور للحصول على سلعة أو خدمة ، وآخر يسرق ليأكل وغيره يتجاوزك بسيارته معرضا حياتك وحياته للخطر هروبا من تكدس الزحام المروري ، وآخرين يتسولون دون حياء أو شعور بالنقص أو العار .

أما فقر الأخلاق فتجدها في ثري يتاجر في الممنوعات ويستغل ضعف غيره ليزداد ثراء على حساب غيره ، وآخر يبخل بأقل القليل على نفسه وغيره رغم غناه الفاحش ، وصاحب سلطة يكذب ويدلس ويتآمر ويخون من أجل الاستزادة من المال والسلطة رغم أنه يملك الحياة بأفضل مما يحلم به لو فضل الاستقامة والأمانة ، وترى فقر الأخلاق أيضا في شخص ينتحر رغم توافر كل سبل الحياة الرغدة الناعمة وهو شيء معتاد ومتكرر في أكثر الدول ثراءة ورفاهية للفرد ولكن حالات الانتحار والجرائم الاجتماعية متفاقمة ومتزايدة في صورة فجة لفقر الأخلاق .

فليس العيب أصلا في قدور الغنى ةالفقر ، ولكنها في فقر النفوس ، فعندما تصاب النفوس بمرض الفقر تتبدل السلوكيات الفطرية القويمة لسلوكيات منحرفة وتتطور لتصبح أجرامية على المدى البعيد لعمر الإنسان ، وهو ما حاول علماء النفس والاجتماع الوصول لحلول لهذا المرض العضال والمسمى بفقر النفوس .

ولاحظوا أن فقر النفوس تقل معدلاته كثيرا في المجتمعات المترابطة والكادحة من أجل هدف واحد ، فمثلا لن واضحا تجد في فرقة للقوات الخاصة ملامح واضحة لفقر النفوس ، وستجد هذه الملامح معدومة تقريبا في عائلة مترابطة تحيا متجاورة متعاونة تحت قيادة كبير لهم يحترمونه ويجلونه ، وستجدها ضعيفة في مجتمع الفلاحين وعمال المصانع .

ولذلك ترى أعلى معدلات فقر النفوس في عواصم الدول الكبيرة حول العالم ، فالبشر فيها خليط من شتى بقاع الدولة وربما الأرض فلا قيم مشتركة تجمعهم سوى تحقيق الرغبات واقتناص الفرص لحياة شخصية أفضل ، ولا يوجد ما يخشون أو يستحون منه ، ولا علاقة خاصة تربطهم ببعضهم البعض فيخجلون من عتاب أو حساب فيما بينهم ، ولذلك ترى أعلى معدلات الطلاق والعزوف عن الزواج وتفشي الأمراض الاجتماعية في عواصم الدول والأمم .

وفي المقابل ترى أعلى معدلات التميز وإفراز العلماء والمتميزين في شتى المجالات تأتي من المدن الثانوية والريف لارتفاع معدلات الاستقرار الأسري والنفسي للأطفال والشباب ، ناهينا عما نراه من فرص الظهور واللمعان السريعة والتي  تكون أفضل في العواصم منها في المدن والريف ولكنه ظهور سريع رخيص في ثمنه وهدفه ولا يحمل داخله الأصالة أو القدرة على المواصلة والتقدم فيصبح كفلاش يومض ثم يخبو إلى غير رجعة .

وفي زخم هذا التدهور السريع للقيم وتفشي فقر النفوس بين البشر يقع على عاتق الأسر حمل كبير من ضرورة خلق جو عائلي مترابط وحميم وقويم وتحقيق أعلى معدلات الاستقرار النفسي لأطفالهم وأولادهم عبر سنوات التربية ، وهو ما يبدو تحقيقه أحيانا من المستحيلات في ظل اعتياد الأولاد على غياب الوالدين في العمل لتحقيق أعلى معدل ممكن من الدخل من أجل رفاهية الأسرة متناسين أن الاستقرار النفسي هو الأساس لحياة ناجحة ، بل ودوما يكون نتاج الاعتياد على الرفاهية ضعفا متراكما في النفوس يكون أساسا لفقرها على مدى عمرها ، فنعود ونشكو من فساد الأجيال ونحن من صنع هذا بهم تحت مسميات خداع الرفاهية .

تم نسخ الرابط