بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لا شك بالطبع أن ما يجري في مصر ومنذ أكثر من أربع سنوات مضت (سبقتها عقود إعداد ثقيلة) يمكن تمثيله بمباراة متعددة الأطراف على رقعة شطرنج ومن غير المنتظر الوصول لنتيجتها النهائية قريبا ، ولكن ربما تحسم نتيجة شوط اشتدت أحداثه وسيليه الكثير من الأشواط لترسم بعضا من تاريخ هذا الشعب وهذه الأمة ، وبعيدا عن المقدمات المطولة فلنقفز سريعا لعمق رقعة الشطرنج .
فلم يفاجئني سقوط قناع (حمدين الصباحي) المتتابع بكشوف العطايا القطرية ثم إعلان تحالفه في انتخابات الرئاسة مع صاحب مصر الطرية فكلاهما كان منتميا للإخوان التابع لعمر التلمساني في نهاية السبعينات والذي كان يحاول إثبات تواجده في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ، ثم تساند الطرفان كثيرا بعدها خاصة في تحالفات مجلس الشعب ورأينا البلتاجي والكتتاني بحملات الصباحي الانتخابية وهو ما لا يحدث إلا لعناصر إخوانية أصيلة حتى وإن كانت مسكنة .
ولم يفاجئني كثيرا إعلان تأييد وانضمام بعض الأكلة بنهم من كل قصعة غنية بما يتخم الجيوب والنفوس الشهيرة ممن حسبناهم كرموز للإعلام أمثال برنس النحنحة والهدهدة في آخر النهار وضيفته المستدامة لأغراض ليست لنفوس العامة وصديق الفصحى ومدعي الأمان في خباثة ودراما اتزان ، والحالمة بالمجد والقلم على القاع بين البان والعلم ولا كاتب المثالية المشبوهة في زمن الخيانة المعتوهة ، وغيرهم ممن لاذوا بالفرار وآخرين سقطوا خلف الأسوار من أجل بطولات بأوراق الأخضر الساخر الملقب بالدولار .
ولست بصدد الكشف عمن يسقط الأقنعة ... فربما لست بهذا المستوى من المهارة أو ربما الذكاء .. أو قل أننا جميعا ما زلنا تلاميذ نرتدي زي الروضة المدرسي نتلقى دروسا في فنون كشف التخابر والعمالة مشدوهين فاغرين الفوه محاولين السيطرة على النفوس مدعين أننا نعي أو نفهم شيئا مما يعرض علينا تباعا وبسرعة أفقدتنا التركيز والقدرة على فهم التسلسل المنطقي وترابطات الشخوص والأحداث .
ولعلنا ما زلنا نذكر بدايات سقوط الأقنعة منذ أكثر من عام ونصف العام وتحديدا يوم فوز المنزوع برئاسة مصر ، وقد كان الأمر يستوجب الكثير من سقوط الأقنعة في زخم ونشوة الفرحة العارمة بما لم يكن يحلم به أحد ، ولا حتى مرسي العياط نفسه وهو ما فضحه بفجاجة سلسلة تصرفاته في قصر الرئاسة ، وفي حينها وما تلته من شهور سقطت الكثير من الأقنعة وسط جو يمكن فيه التقبل والتجاوز لصالح من فازوا واعتلوا عرش مصر على حين غرة من الزمن والشعب حتى بلغت حدود التحدي للبشر مستويات موتوا بغيظكم ونحن أصحاب الجلد السميك .
ولكن بعد سقوط (المنزوع منه عرش مصر نزعا) كما يقول المولى سبحانه وتعالى ، وحتى يومنا هذا وهناك من ظهر أنه تمكن من إحكام السيطرة على دفة الأمور ويدير اللعبة بإحكام كأنها على رقعة شطرنج بأساليب عالية الاحترافية من جهته ، وتلعبها الأطراف الأخرى بعشوائية وحمق منقطعا النظير معتمدين على نجاح سابق سقط قبل أن يدركوا له نتائج ، ولاشك أن من يدير الأمور قد فرض أسلوبه المربك بهدوءه على الجميع ، ويبدو أن الكثيرين لا يتعلمون الدرس إلا بما هو مرير وقاس ، بل قل بما هو مدمر لهم كهواة الانتحار وتدمير الذات مثل الإخوان .
فمثلا .. هذا المرشح المندفع أو المدفوع لسباق الرئاسة كفريق سابق بالمجلس العسكري لم يعر أشارات التحذير المتكررة والواضحة انتباهه ، ولم يلفت نظره خطورة موقفه واتجاهاته المعلومة ، فالرجل لم يكتف فقط بالإصرار على ترشيح نفسه للرئاسة ولكنه أيضا يدير حملته من مقر أسد الإخوان (أبو إسماعيل) كمقر بديل وربما أساسي ، وكأنه لا يعنيه أن دوره كمندوب للإدارة الأمريكية في صراعات الرئاسة السابقة ومن أول يوم في الثورة حتى تسليم السلطة للإخوان هو دور معلوم ومسجل بدقة ، وربما يرى في دوره هذا منتهي الوطنية والولاء لأمريكا وبالتالي الإخوان ولكن بالقطع ليس لمصر والمصريين ، وهو موقف لا يحسد عليه مطلقا بل ربما قد يدفع هذه المرة الفاتورة كاملة ، إلا لو كان الرجل يحمل مخططا جديدا مماثلا لسابقه ينتهي بعودة الهيمنة الأمريكية والإخوان على يديه ، وعندها ستكون مواجهته مع شعب ومؤسسات دولة ، وبالتالي لن يعلم نهايته إلا الله فالموقف سيكون أخطر مما يتخيله .
وعلى الطرف الآخر هناك الإخواني بالوراثة ميمون النور والذي يبدو أنه يستعد للعودة لسباق الرئاسة في تحالف مع البرادعي وربما مع أحد الشخصيات الكرتونية الكثيرة المطروحة بالأحزاب الهلامية ، هذا لو تمكن في الوقت المتبقي وإن كان حضوره لاجتماع تنظيم الخونة العالمي في ماليزيا قد قطع عليه الطريق وضمه لصفوف المرفوضين بقوة ، هذا بخلاف المرشح الشاب الواعد في البحث عن الفرص والفوائد صاحب الصفر الكبير في الانتخابات السابقة فالرجل لم يتعلم شيئا وربما لديه حسابات مكاسب مضمونة ولا داع للخروج من المولد بلا قليل من الحمص الأخضر الساحر.
ولا نستطيع عن نتغافل عن مجموعة الضباط السابقين مثل مراد موافي وحسام خيرت وبلال وبعض الأسماء الأخرى والتي تنوي المخابرات الأمريكية دفعها ومساندتها بالتعاون مع الإخوان لتفتيت الأصوات وتحويل الانتخابات لفوضى منظمة تحسبا لمواجهة ترشيح السيسي ، أو حتى إزاحته من الطريق ليصبح ورديا وممهدا لعودة أمريكا لصدارة المشهد المصري بيد وعلى جثة أي مرشح آخر فالكل في نظر الإدارة الأمريكية يمكن السيطرة عليه وترويضه .
وبالتالي فحتى الآن المرشحون للرئاسة هم فقط من الإخوان بشتى ألوانهم واختلاف مسمياتهم ولا منافس لهم ، ولا أرى مرشحا واحد له تاريخ أو انتماء لا تنتهي آخر حلقاته اتصالاته ونشاطه بعيدا عن حظيرة الإخوان سواء عن طريق ثوري أو سياسي أو إسلامي أوعلماني أو ليبرالي ومستندا على ظهير قطري أو تركي أو أمريكي أو خليجي.
ولست ألوم الإخوان وتابعيهم فقد ذاقوا الحلاوة ولذة السلطة والسيادة والسيطرة ، ولست ألوم هذا الشعب فهو شعب بفطرته غريب (بلا كتالوج) ومفاجآته أغرب وأخطر ، ولا ألوم السيسي ومن وراءه فيما نراه من أسلوب معالجة الأمور والتي أراه كمارد قد وضع كل القوى المتصارعة في بوتقة واحدة فوق نار هادئة وتركها جميعا تغلي وتتصارع فيطفو خبثها وزبدها فوق السطح وهو يقطف تباعا كل ما خبيث في عرض مثير وهزلي أمام شعبه والعالم الخارجي .
ولا شك أن هناك مكمن خطورة تلعب عليه جميع الأطراف وهو يعد (سلاحا ذو حدين) لمن يعي الأمور ، فالإدارة الأمريكية وأذنابها من الإخوان والنشطاء والعناصر العميلة بشتى صورهم يسعون جادين لتفجير البوتقة والموقف كاملا في وجه من يدير الأمور سريعا وقبل أن تضع مصر قدمها على درجة ثابتة في خارطة الطريق كالدستور مثلا ، وكأنهم يتخيلون أنهم وحدهم من يخططون ، بل من المؤكد لم ينتبهوا أن مشهد الغليان للبوتقة ربما يكون كمينا مخططا بعناية وجودة أعمال المخابرات المصرية للوصول لموقف يحقق القضاء نهائيا على كل أحلامهم ومؤامراتهم تجاه هذا الوطن .
وما يعزز من مصداقية هذه الفكرة هو الرد الشعبي المتصاعد على الأعمال الإرهابية وآخرها تفجير مديرية أمن الدقهلية والقنابل بالمساجد المختلفة والتي تكمل مشهد حرق الكنائس واغتيال الجنود من الشرطة والجيش وإجرام طلبة الإخوان بالجامعات وغيرها الكثير حتى وصلت الأمور لبدء انتشار فكرة تصدي الشعب بالقوة لكل ما هو إخواني والذي تنفيذه عشوائيا في أماكن متفرقة ولن تلبث أن تصبح ظاهرة عامة تقضي على كثير مما تبقى لهذه الأذناب المجرمة في هذا الوطن ، والسواد الأعظم من الشعب يتجه بفكره مدفوعا بقوة لاختيار الحل النهائي والسحري بل والمنطقي لكل هذا والذي ينتظرون بزوغ فجره بفروغ صبر ، وهو قادم لا محالة لمن يرى الصورة بوضوح ولا يشغله التورط في همومه أو أحداث فرعية أو تعصب أو حماقة أو مصالح عمالة .



