بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
نقطنا بسكاتك .. مثل مصري .. تسمعه كثيرا في صيغة أمر .. أو هو أمر في صيغة مثل تهكمي .. يضرب عندما يكون صمت الإنسان أفضل ملايين المرات من كلامه .. حتى يعتبر صمته .. كالنقوط في الأفراح .
وتنتابني هذه الفوبيا كثيرا عندما أرى البعض وهم يمزقون الناس من حولهم نقدا وتقريعا ولوما وانتقادا بلا هوادة ولا احترام لمقادير البشر أو الظروف أو الأحوال متجاهلا ربما أو غافلا أنه جزء من هذا الكيان المهتريء الذي يلومه وينتقده بلا تروي أو روية ، ولعلنا جميعا نتورط في مثل هذا بقصد أو دون قصد .
لكن الطامة الكبرى تكمن فيمن يتعرض لما يجهله تماما ، فيفتي بغير علم في تصد أرعن يل ويثير تساؤلات أقل ما توصف به أنها حمقاء ، مثلما تجد من يتعرض لنوعيات نظم التسليح واستراتيجيات استخدامها ، فتظن أنه الخبير العالم ببواطن الأمور وهو في الحقيقة لا يزيد عن كونه كان مستخدما لأحد هذه النظم على أقصى تقدير بل وربما قرأ عنه ولم يعي شيئا .
ومثال آخر لذلك .. ما نراه يوميا من المتشدقين بمدنية الدولة ورفض ترشح شخصية عسكرية لمنصب الرئيس وكأنه لم يقرأ التاريخ مطلقا ليتعلم أن الأمم في لحظاتها الحرجة تكون أحوج لرجل قوي ويمتلك مرجعية عسكرية لحزم الأمور ، وهل يعلم أن الجهة الوحيدة في الشرق الأوسط والمعتمدة دوليا منذ نصف قرن والتي تدرس كيفية إدارة دولة في ظروف الحرب أو الأزمات هي أكاديمية ناصر العسكرية المصرية ، وربما كان يعلم كل هذا ولكنه إخواني النفس يمتلك عقدا نفسية خاصة جدا قابعة في قاع نفسه تجاه كل ما هو عسكريا ، والأخطر أن يكون بلا وعي أو إدراك لما يقوله ولكنه صاحب مصلحة أو منفعة مأجورا أو مدفوعا أو موجها وهو لايدري ، وفي جميع الأحوال فأفضل رد عليه (نقطنا بسكاتك).
ومثله .. من يرى أن الدولة تسرعت بإعلان الإخوان جماعة إرهابية وسيدفع هذا لمزيد من العنف ولابد من المصالحة سريعا وفورا ، والآخر يرى أن الدولة تراخت وتأخرت وستدفع الثمن غاليا في مراحل استنزاف الأمن والجيش ، والثالث يرى خلاف كل هذا وربما يسترسل في كلام لا ولن تفهم منه جملة مفيدة ، وناهيك عن زعيم مصر الطرية ونخعاته الإخوانية المنطلقة في عالم الأوهام وخزعبلات العته الإخواني والغزل السلفي المعسول بحثا عن مكان على الساحة السياسية على أية مائدة عامرة بما يفيد .
وكل هذا في مجمله ليس أكثر من صورة باهتة ومرفوضة لأحوال من يديه في الماء البارد ويتحدثون من برج الأفكار العاجي بعيدا عن أرض الواقع ، مستمتعين برفاهية الحديث والنقد والتقريع والاعتراض ولا حجر على أحد ، ولكنه رجاء ونداء لهم جميعا .. رفقا بمن يديه في النار ويتجرعون ألم الضلوع بمهام حفظ كيان هذه الدولة أو عفوا .. نقطنا بسكاتك .
لا شك أننا في مرحلة حرجة وسنرى فيها الكثيرين من هؤلاء وغيرهم ولا نملك أفضل من التعلم من الجميع فمن لا تتعلم منه اليوم علما فمن المؤكد سنتعلم منه كيفية التعرف على ملامح صفات الجهل والجاهلين والحمق والحماقة لنزداد تحصنا ضد أمثالهم عبر أيامنا القادمة في مستقبل هذا الوطن .



