كنتيجة تراكمية لأساليب إدارة مصر بطريقة عشوائية وموجهة فقط لمصالح أشخاص بعينها عبر أكثر من ثلاثة عقود ترسخ في الوجدان المصري قيم ومبادئ مختلة أصبحت أسسا نفسية لإدارة الأمور بل والحياة نفسها على أعلى مستويات الإدارة في مؤسسات الدولة .
فالغالبية العظمى من مؤسسات الدولة يديرها كوادر تربت على أساليب الإدارة العشوائية المشوبة بالنزعة الذاتية السادية في إطار التفاني لتحقيق أعلى مستويات الرضا من المستوى الأعلى بغض النظر عن الأسس العلمية والعملية أو الصالح العام للمؤسسة أو الوطن على القياس الأوسع .
أول هذه القيم المختلة هو اللهث وراء المجد الشخصي والنجاح السريع مع طمس كل معالم النجاح السابقة ولها بنظرية البطل ذو القدرات الخارقة والغير مسبوقة والتي يثريها ويغذيها طابور المنافقين والمتسلقين المتنامي في ظل هذا الفكر .
وثاني القيم وهو مبني على الأولى وهو الحشد العشوائي لتحقيق الأهداف التافهة والإهمال لأية أهداف أو متطلبات العمل الأخرى ، وهي قيمة توارثناها مجتمعيا فنراها في التفاف المارة في الطريق حول أية مشكلة لأي شخص ، ولكنها إذا تم تفعيلها في إدارة العمل تصبح كارثة بكل المقاييس وأحد محاذير علم الإدارة تعتبر .
فأحد رؤساء مجالس أحد المصانع الحكومية طلب منه المستوى منتج ليس من اختصاص شركته ولكنه اعتبر ذلك تكليف من المستوى الأعلى ونجاحه في تنفيذه يعد سبقا شخصيا يضاف لأمجاده ، وبدون دراسة واعية لقدرات وإمكانيات شركته قرر أن يتصدى لهذا المنتج ، وسخر كل ما استطاع حشده من بشر وقدرات وطاقات في شركته لصالح تنفيذ المطلوب متجاهلا كل شئ في سبيل النجاح بأي ثمن .
وكانت النتائج مرعبة فالمنتج تكلف أكثر من ضعف ثمنه الفعلي ، فضلا عن توقف كثيرا من الأعمال لفترة ليست قصيرة نتج عنها خسائر ضاعفت التكلفة الفعلية ، فضلا عن إهلاك للمعدات والخامات والعمالة في تجارب إنتاج ما ليس من اختصاصه ولا عائد فعلي منه مستقبليا ، والأخطر من كل هذا أنه ترسخ في نفوس المرؤوسين أولوية الاهتمام بإرضاء المستوى الأعلى على حساب أي شيء آخر .
ثالث هذه القيم المختلة هو الإهمال المزمن لتقدم العلم والتكنولوجيا والاعتماد على الخبرة فقط والتي في غالبية الأحيان قد أصبحت متقادمة ولا تتناسب آليات ومعطيات العصر ، وهي عادة متأصلة في النفوس المصرية لإهدار قيمة العلم والتقدم أثراها المناخ العام لإهمال العلم والتعليم والتطبيق العملي للعلم واضطرار الكفاءات المتميزة للهروب للخارج أو القطاع الخاص ، فلم يعد يعمل في مصانع ومؤسسات الدولة سوى فئة من أصحاب الكفاءات المحدودة والقدرات الضعيفة.
رابع هذه القيم هو الواسطة والمحسوبية ولا مكان للكفاءة والاجتهاد وهو خلق أجيالا متعاقبة من المتملقين والمنافقين والمتخصصين في فن إرضاء الرئاسات والمستويات الأعلى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة .
وخامس هذه القيم هو انعدام الضمير واشتراك الجميع في سرقة مرتبه الذي يتقاضاه دون أن يعمل مقابله فنجد أعلى معدل لزمن العمل الحكومي والقطاع العام لم يتعدى (27) دقيقة من إجمالي ثمانية ساعات ، ناهينا عن تطور هذا عند البعض للرشوة الاختلاس والعمولة والمتاجرة بأسرار الوظيفة .
وسادس هذه القيم هو إخفاء المعلومة وخبرات العمل والانفراد بها والحرص على إظهار هذا التفرد وهي عادة متفشية بين المصريين في شتى القطاعات مبنية على جهل النفوس وسوء التنشئة والتربية والتعليم ، وهو ما أدى لتناقص القدرات والإمكانيات البشرية بخروج البعض للمعاش واضطرار الغالبية من المؤسسات لاستبقاء كثير من الكفاءات بعد سن المعاش لنجد في النهاية أن كثير من رؤساء الوظائف العليا فوق السن ولتبدو مصر وكأنها بلد يحتضر .
وليس عيبا أن يتم الاستعانة ببعض الخبرات النادرة ولكنها كارثة بكل المقاييس أن نرى الغالبية العظمى للوظائف العليا في المؤسسات والشركات والوزارات ممن تخطوا سن التقاعد حتى رأينا الإصرار على رئيس وزراء فوق الثمانين والبديل المطروح من السن وكأن مصر قد عقمت أن تنجب بشرا أو كوادر قادرة على الإحلال .
وسابع هذه القيم هو الاعتماد على أهل الثقة وتجاهل أصحاب العلم والكفاءات وهي نتاج منطقي لتفشي المحسوبية والانحرافات والنفاق والتملق والحرص على المجد الشخصي واللامبالاة ، فالناتج الطبيعي لمجموع هذه الصفات أن يضطر المسئول لاختيار من يثق أنه سينفذ له رغباته وأحلامه دون نقاش أو جدال .
وهكذا هدمنا كل قيم الإدارة العلمية والعملية لتصبح مؤسساتنا فارغة من محتواها ولا تحقق إلا نسبا متدنية من النجاح دون تطور أو أمل في مستقبل أفضل ، ولن تستقيم أحوال الإدارة في مصر إلا بالتغيير الجذري للنوايا والأساليب والشخوص الراقدة على مؤسساتنا المريضة ، وهو ما لم يتحقق إلا برئيس صاحب فكر وضمير وإصرار على التصدي والتحدي لإحداث التغيير المطلوب كما يقول أبو الثوار (مصر يا ابني ..عايزة راجل) .