بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
الإنسان (مخير .. أم .. مسير) .. تلك هي المعضلة التي حار فيها العلماء واختلفوا كثيرا وما كان اختلافهم إلا لمشيئة الله ألا يقفوا على الحقيقة بعينها ، وكان أفضل الأقوال في ذلك أنه مخير في أشياء ومسير في أشياء وهو قول جانبه الصواب جزئيا وكليا .. لماذا .. ؟؟
1- لو قرأنا قول الله تعالى في مطلع سورة النحل (آتى أمر الله فلا تستعجلوه) وفهمناه كما أراده الله تعالى لعلمنا أن كل فعل وقول يصدر في الدنيا من البشر وغيرهم قد كتب قدرا مقضيا في اللوح المحفوظ ولذلك فحدوثه على الأرض ما هو إلا تنفيذ لأمر سابق قد صدر ولا راد له .
2- يؤكد هذا قول الحق في سورة السجدة في الآية الرابعة {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 وفيها نوقن أن أي أمر يحدث في الدنيا قد كتب في الله المحفوظ مدبرا من المولى عز وجل قبل حدوثه بخمسمائة سنة مما نعد ، ثم ينزل مبلغا صوتا وصورة حيا من اللوح المحفوظ حتى يصل للأرض فيحدث عليها بعد خمسمائة سنة من حدوثه ، ثم يعود ليبلغ عروجا للسماء حتى يصل من حيث صدر في خمسمائة سنة أخرى لتكتمل دورة الأمر ألف سنة مما نعد .
3- يؤكد هذا ما ذكره الله تعالى أن الجن كانوا قبل مولد سيد الخلق يقعدون مقاعد للتصنت على خبر السماء ، ثم ينزلون ليبلغوا البشر به ، وقد أغلقت السماء يوم مولد الحبيب ومنع خبر السماء ومن يحاول يلقى جزاءه شهابا حارقا يتبعه كما يقول الجن في سورتهم (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً{8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً{9} وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً{10} )
4- ويؤكده أكثر أن بيننا بشرا يرى في منامه حدثا ثم يجده يحدث كما رآه في منامه بالتفصيل ولا يجد له تفسيرا إلا قول الحبيب المصطفى أنها الرؤية الصادقة وهي كذلك فهو قد رأى الحدث في طريق نزوله قبل أن يحدث رحمة من الله ليقدم له حتى لا يفجعه الحدث .
5- ويتبادر للعقل سريعا تساؤل خطير ( على ماذا يحاسبنا ربنا إذا كان العمل والقول مكتوب علينا) ، والإجابة قالها رسول الله (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فنحن محاسبون على النية فقط ، وقالها رب العزة كل نفس ما كسبت رهينة والنفوس لا تكسب سوى النوايا فقط ، ولكن رحمة من الله من انتوى خيرا أجرى الله على يديه الخير ومن انتوى شرا أجرى الله على يديه الشر ولابد من استثناءات لإثبات القاعدة وإظهار قدرة الله على عباده .
6- ولو علمنا أن الإنسان ما هو إلا نفس فقط منحها الله جسدا من مادة الأرض ليكون متوافقا معها ووضع في هذا الجسد سر الإحياء وهي الروح وأنه لا علاقة للنفس بالروح (سر الإحياء) التي يستردها ربها بعد انتهاء الأجل فيفقد الجسد سر إحياءه وتفقد النفس مطيتها الحية فيتوفاها ربها وينشئها نشأة أخرى حيث يريد ولا نعلم كما أوضحها سبحانه في سورة الواقعة (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} .
7- ومن العجيب أن الله تحدث عن خلق الإنسان من تراب في ست آيات ، وعن خلقه من ماء في ست آيات وخلقه من طين في سبع آيات وعن الروح في ست آيات ولكنه تحدث عن خلقه للإنسان من نفس في أكثر من ثلاثمائة آية ولم يلتفت لذلك الكثير من العلماء فاختلفوا وخلطوا بين الروح والنفس كما خلطوا بين التخيير والتسيير وما زلنا أسرى لهذا الاختلاف مع إن الله وضح ذلك كما عودنا في كتابه بتفسير بعضه ببعضه وذلك لمن يقرأ ويتفكر ويعقل ويتدبر .
وخلاصة القول أن ابن آدم مخير فيما تملكه نفسه وهي النوايا ومسير في كل قول وفعل ولا يملك بشرا أن يقول سأفعل ويفعل ولذلك يقول رب العزة لابن آدم في سورة الكهف (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} ) ، لأن الإنسان لا يملك القدرة على فعل شيء لم يكتبه الله من قبل ، ولذلك قال صلوات ربي عن بعض الناس ( لو أحسنوا النية .. لأحسنوا العمل ) لأن الله يصادق عبده وييسر له فعل نواياه إلا أن يكون استثناء للاختبار أو العبرة وإثبات قدرة الله وقيوميته على عباده .
وليتنا نتدبر آيات الله ونتفكر فيها ولا نكون ممن قال الله فيهم {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 ، ونقول لعلمائنا أفيقوا ولا تغلقوا أبواب الاجتهاد في علم علوم الدنيا والآخرة كتاب الله ودستوره لخلقه ، مثلما فعل من كانوا قبلنا واتخذوا كتبهم أحجبة وطلاسم لا يجوز التدبر فيها فيهجرها الناس كما يقول رب العزة في سورة الفرقان {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 .
ولو أحسنا النوايا تجاه كتاب الله وأعدنا تدبر آياته وتنقيح فهمها القاصر على فهم من عاشوا قبلنا بقرون طويلة ، لفتح الله علينا علوم الدنيا والآخرة ولا ننسى أن رسول الله قال في حديثه الصحيح ( من أراد الدنيا فعليه بالقرآن ، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن ، ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن ) بل وأكد على تعلم وتعليم القرآن بقوله (خيركم من تعلم القرآن .. وعلمه) .
وأخيرا .. تحية للسيسي لإجابته على استفسار توليه رئاسة مصر من عدمه بقوله أن الكرسي مكتوب عليه اسم من يجلس عليه وأقول له صدقت ، بل وكل حرف أو فعل صدر منك قد سطره الله عليك ، وهو قدرك ومكتوبك ولعل الكرسي يكون مقدورك كما شاء الله أن تتعلق ملايين هذا الشعب بك وتريدك له ، ونحسبك بخير .. ولا نزكي على الله أحدا .
هدانا الله لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيد الخلق محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ،،



