بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
ما أشبه اليوم بالبارحة فالأمس القريب ظل المماليك وقد كانوا من العبيد المستقدمين من آسيا على يد الدولة الأيوبية يتناوبون على حكم مصر لأكثر من (250) سنة عانى فيها المصريون كثيرا من بعض الاستقرار والتقدم ثم الانقلابات والثورات والاغتيالات والانهيار حتى سقطت دولتهم على يد العثمانيين لتبدأ الخلافة العثمانية من القرن السادس عشر وحتى بدايات القرن العشرين .
ويتشابه نهاية عهد المماليك في مصر كثيرا مع ما نعيشه اليوم منذ فترة تجاوزت الخمس سنوات ، فقد أعادت الفترة الأخيرة من حكم مبارك ومنذ عام 2010م للأذهان فترات نهاية الحكم المملوكي لمصر ، بكل ما فيها من محاولات التوريث ورفض الشعب وتعدد الجبهات وتضافرها لسقوطه المدوي في يناير 2011م ، ثم صراعات المجلس العسكري وحتى وصول مماليك الإخوان للحكم في غفلة من الزمن وافتضاح حقيقتهم كأصحاب فكر التكفير واللاوطنية والاستقطاب والدموية ثم سقوطهم في أقل من عام وعودة مصر من جديد لمرحلة انتقالية مفقودة تتزايد فيها حدة الصراعات الفكرية والسياسية والدموية على يد فلول الإخوان متزامنا مع محاولات فلول مبارك للعودة للصورة مرة أخرى .
ولكن يتميز العصر المملوكي الحالي بسرعة إيقاعه المواكب لآليات العصر ، فما كان يحدث في سنوات في عهد المماليك يباغتنا اليوم في أيام وأحيانا في ساعات قليلة ، كما أن الغالبية العظمى من مماليك اليوم تركن لجهات ودول أجنبية تمولها وتحتضن فلولها الهاربة وتخطط لها وتساندها في مؤامرات متشابكة ومتعددة تستهدف منها أعادة تشكيل جديد للشرق الأوسط والدول العربية والمسلمة على وجه الخصوص ، مما جعل مماليك هذا العصر هم نتاج تربية غربية وفكر ماسوني صهيوني خطير ودنيء للسيطرة على قلب العالم في الشرق الأوسط ودرة هذا القلب المتمثلة في مصر .
ولا شك أن مخطط تقسيم الدول العربية وتدمير جيوشها قد نجح بامتياز في استزراع المماليك الجدد واستخدامهم في تدمير قوى العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن وتونس وتحييد المغرب العربي وتفكيك القوى الفلسطينية والأردن ويزحف جاهدا نحو الخليج العربي ولكن هذا المخطط تحطم فجأة على أبواب مصر وعلى أيدي جيشها العتيد وصاحب الجذور الضاربة في عمق التاريخ القديم .
والعجيب أننا لا نقرأ التاريخ وإذا قرأناه لا نفهم حكمته ولا نستفيد من دروسه ، فمصر أبدا ليست كمثلها قابلة للتقسيم والانهيار أو سيطرة فصيل أو مماليك أية عصر عليها ، ولعلنا نذكر أن الفرنجة حاولوا احتلال مصر مرارا فمرة تشهد عليهم دار بن لقمان في المنصورة وأخرى خسرها نابليون بونابرت وفشلت حملته وقتل بعض قادته والكثير من جنوده ثم أسلم الكثير من قادته مثل قائدهم (الجنرال مينو) الذي أسلم وتزوج مصرية ، والأغرب أن الإنجليز والفرنساويين تركوا خلفهم بلدانا تتكلم لغاتهم بعد جلائهم كلغة رسمية ، إلا مصر فقد خرج منها من احتلها منهم وهم يتكلمون لغتها ويعشقون عادات أهلها .
تلك تذكرة لمماليك عصرنا لعلهم يفهموا أو يتعلموا بعضا من طبائع هذا الشعب الأصيل ، فهو شعب لا يموت ولا يستكين ولا يستسلم ولا يصبغه أحد بما يرفضه ولا يخدعه تدليس المماليك في أي عصر ، ودوما يجند الله له من يوقف مد كل مملوك في كل عصر عند حدوده ، ولعل تصريح الفريق السيسي بعدم السماح بعودة وجوه المماليك البائدة كان صارخا وموجعا لكثير منهم ، ورغم أن البعض لا يفهم إلا بالأحداث الجسام مثل مماليك الإخوان ومواليهم من العملاء والحالمين والمغيبين والعابثين تحت الشمس في ظلام إغلاق عيونهم ، إلا أن الأيام القادمة وما ستحمله من مفاجآت هي كفيلة بسقوط كل المماليك رغم أنوفهم جميعا .



