بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
أن يصاب مرسي بعدم الاتزان وربما بالهوس الانفعالي .. شيء عادي ومتوقع .. فقد صعد هذا العياط من السجن للرئاسة ولكنها لم تدم سوى شهورا ، عاش فيها ارتفاعه لمصاف الأنبياء والرسل وغاص في أحلام بالخلافة والتربع على عرش لم يكن ليحلم به لدرجة موتوا بغيظكم ، ثم فجأة يهوي في قاع السجن منتظرا إعدامه وبيد من ظن أنه لقمة سائغة ومطيته للسيطرة على الجيش والشعب ومصدر القوة الذي ظن أنه أمتلكه بتعيينه بدلا من طنطاوي .
أن تتصاعد حدة الإرهاب وتصل لحدود الاغتيالات واهتزاز الأمن في الشارع المصري .. فهذا عادي ومتوقع كنتيجة مباشرة لسقوط جماعة إرهابية وإدراكها للفناء المنتظر وتيقنها من افتضاحها وفقدانها لسمعتها ، ولا بديل لهم عن الانتحار السياسي والشعبي لعلهم يظلون أبطالا في نظر أتباعهم وربما يصلون لشروط تفاوضية أفضل تحت أية ظروف .
أن يحدث نبأ ترشح السيسي للرئاسة هذا الكم من ردود الأفعال المتباينة والمبالغ فيها على الجانبين خاصة المرتعشين والمشتاقين ومن طالهم شبهة الأجندات الخارجية وفلول مبارك والإخوان .. فهذا شيء عادي .. فسمعة الرجل ومواقفه تشير بقوة أنه لن يفرط في حقوق أو يتهاون مع من أساءوا لهذا الشعب لو أصبح رئيسا.
أن يترفع أحمد شفيق عن خوض الانتخابات الرئاسية ويتحول من منافس للسيسي لداعم له .. فهذا أيضا شيء عادي ، بل بل هو موقف قوي ومتعقل لرجل يبدو أنه يعرف قدره ولا يقبل أن يهين نفسه وتاريخه مهما كان عليه من ملاحظات ولكنه في النهاية يعد ذكاءا سياسيا يحسب له ويعلي من قدره لدى مناوئيه قبل مشجعيه وداعميه .
أن تعرف أن سامي عنان هو مرشح الإخوان والأمريكان في انتخابات الرئاسة .. فهذا شيء عادي .. فهو مهندس ومندوب الأمريكان في عملية وصول الإخوان للحكم ويداه ملطخة بالدماء خلال الثورة مشتركا مع حمدي بدين الهارب وهو مستشار مرسي الدائم حتى خلعه وسيادته بدأ حملته الانتخابية من مقر حملة حازم أبو إسماعيل ابن الأمريكية .
أن يصاب حمدين صباحي وابو الفتوح بالهلع من اقتراب ترشح السيسي للرئاسة فيبادران بالتصريحات المعادية والمناوئة والرافضة لترشحه ناسين أن هذا يسقط الكثير من شعبيتهما المتدهورة .. فهذا أيضا شيئا عاديا .. فقد صدما بظهور السيسي كرمز تخطى الجميع شعبية وقبولا بل وحبا بلغ حالة الوله بشخصه .. وهو ما يقوض آمالهما بقوة في الوصول لعرش الحكم الذي حلما به كثيرا وبات قريبا بسقوط مرسي العياط .
أن يكشف الستار عن عمالة البعض بداية بالبرادعي ثم 6 إبريل فبعض الوزراء الحاليين والمشاركين في الحكومة الحالية بمناصب رفيعة .. فهذا أيضا عادي .. فقد كانت الجماعة الإرهابية الملقبة بالإخوان عميقة التنظيم وخدعت الكثيرين من الجهلة دينيا وثقافيا سواء بالمال أو المناصب ومن الطبيعي أن لا تظل الأسرار كامنة في الخفاء طويلا .
أن تفتضح كشوف العطايا القطرية ويسقط في براثنها حمدين صباحي ومحمود سعد وخالد صلاح ومنى الشاذلي ويسري فودة وغيرهم كثير ممن لا لون لهم ولا رائحة .. فهذا أيضا شيئا عاديا ... خاصة وأن نفس الأشخاص كان لهم لقاءات مصالحة سرية مع خيرت الشاطر وعصام الحداد في عهد المخلوع مرسي فضحها عكاشة بالمستندات ولم ينتبه لها أحد معتبرينه ملك الهرتلة الإعلامية .
أن يعزل إثنين من الرؤوساء في أقل من عامين ويحاكموا بتهم الفساد وإساءة استخدام السلطة وقتل المتظاهرين والتآمر على الوطن ثم يدخل السجن إثنان رؤوساء وزراء وربما يتبعهما البعض قريبا .. فهذا شيء عادي .. ومتوقع من شعب مصر فهم كما قال عنهم الحجاج بن يوسف الثقفي (قتلة الظلمة وهادمي الأمم) .
أن يتصل وزير الدفاع الأمريكي أكثر من 31 مكالمة بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في أقل من أربعة شهور بمعدل يصل (2 : 3) اتصالا أسبوعيا .. فهذا أيضا عادي جدا .. لأن هذا هو نهج السياسة الأمريكية المعتاد ، فهم دوما مع مصالحهم دون اعتبار للمباديء أو السياسة المعلنة ولو بالتحالف مع الشيطان ، فالأمريكان واثقين من وصول السيسي أو من وراءه للحكم وسيطرته على مقاليد الأمور من الآن ، وبالتالي فهم حريصون على استمرار القنوات مفتوحة معه بأية صورة وهو ما يشير بقوة لاقتراب تقديم الأمريكان لكثير من التنازلات لإعادة العلاقات مع مصر بأي ثمن على نفس النهج الذي تنازلوا فيه عن كل ما سبق وبادروا بالمصالحة مع إيران مؤخرا .
ولكن .. الشيء الغير عادي .. والمفاجأة الكبرى والذي لم يكن أحدا يتخيلها محليا أو إقليميا أو دوليا ، خاصة أمريكا والغرب ، أن سنوات الفوضى المصرية منذ سقوط مبارك وحتى اليوم قد ساهمت بقوة في استعادة العمود الفقري للدولة المصرية قواه وعافيته وكفاءته في ظل ظروف حالكة وضبابية ، بما يشير أن هذه الدولة قد تصبح دولة عظمى في سنوات قليلة وهو ما يثير فزع وهلع الكثير من القوى الدولية المعاصرة .
هذا العمود الفقري الممثل في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية السيادية بمختلف مستوياتها ، فقد كان مخططا أن تخرج مصر من الثورة ومؤسساتها منهكة ومفككة مثل غيرها ، فيفاجأ الجميع أن أكبر إنجازات مرسي العياط والتي فرح بها الإخوان كثيرا ، وهي عزل المشير طنطاوي هو السبب الرئيسي الذي أتاح الفرصة بقوة لتنامي قوى هذه المؤسسات.
فقفزت مصر في ترتيب جيوش العالم من المركز الرابع عشر إلى المركز التاسع في أقل من عام وهو إنجاز كبير لا تحلم به دولا كثيرة خاصة في ظل ظروف الثورة ورغم حربها المستمرة والشرسة ضد جيش الإرهاب الخطير والذي كونه الإخوان والمخابرات المعادية في سيناء ، ثم تتجلى قدرات المخابرات المصرية لتكيل لأمريكا ثم تركيا وقطر العديد من الصفعات المخابراتية كان أشهرها الحصول على وثيقة بيع الشاطر ومرسي لجزء من سيناء ثم الاستيلاء على أحدث طائرة تجسس أمريكية ثم فضيحة تجسس أمريكا على قيادات العالم ثم أخيرا فضائح الفساد التركية فضلا عن حصرية تسجيلات انعقاد اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان المتتالية في أي مكان وزمان .
فبينما هناك الكثير من العابثين بمقدرات هذا الوطن ، يتصارعون على المناصب والأموال ويخونون ويبيعون ويتحالفون مع الشيطان من أجل أطماع وشهوات متدنية ، فما زال في مصر من يسعد القلوب المخلصة ويطمئنها أن مصر لديها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبه ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا ، عيونهم مفتوحة وعقولهم واعية وضمائرهم حية ، ساهرون على حماية هذا الوطن وحريصون على رفعته وتقدمه ومجده المرتقب .



